الرئيسية / مقالاتي / أي شرف لـ “جرائم الشرف”؟

أي شرف لـ “جرائم الشرف”؟

ليست حادثة قتل الشابة الفلسطينية المغدورة، إسراء غريب، بحجة الشرف والدفاع عنه، الأولى من نوعها، ولا يتوقع بالتأكيد أن تكون الأخيرة في هذا البلد أو ذاك من بلداننا العربية. ولكن هذه الحادثة تحديدا اكتسبت زخما كبيرا، ولم تمر مرورا عابرا، كما كان يحدث في جرائم مشابهة لها، ولعل هذا هو الجانب الإيجابي الوحيد فيها من بين جوانبها المظلمة الأخرى. ففي غضون أيام قليلة بعد الكشف عن خبر مقتلها بشكل مأساوي ومريع، تحولت قضيتها برمّتها إلى قضية رأي عام، تعدّت حدود فلسطين، حيث ارتكبت الجريمة في بلدة بيت ساحور، إلى البلدان العربية الأخرى، بل والعالمية أحيانا، فقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي، والتي لجأت إليها، منذ البداية، صديقتها المخلصة، لتكون منصّتها للإعلان عن تفاصيل القضية التي كادت أن تذروها رياح النسيان والتجاهل. وهكذا، ومنذ منشور الصديقة الأول، تدحرجت الكرة الملتهبة لتصل نيرانها، حاملا صوت استغاثة الشابة الموجع، وهي في المستشفى، تتلقى ضربات الغدر، إلى الجميع تقريبا. ولتكون سببا في الكشف عن قضايا أخرى سبقتها، ولم تأخذ نصيبها من الإعلان والاستنكار. وربما بسبب ذلك نجا الجناة بجرائمهم، وانتهوا إما إلى البراءة أو إلى أحكام مخفّفة، لأنهم وصفوا جرائمهم قتل قريباتهم من زوجات أو أخوات بأنها جرائم شرف. ويقول الواقع الإحصائي إن أعدادا كبيرة من النساء تقتل كل عام في مدن وقرى عربية كثيرة، وينجو القتلة غالبا من العقاب، فقط لأنهم لجأوا إلى الجملة السحرية التي تتواطأ فيها اللغة مع المعتقدات الاجتماعية البالية، لتكون “جريمة شرف”، مع أن تلك الجرائم أبعد ما تكون عن الشرف بمعناه الأخلاقي واللغوي، فأي شرفٍ يمكن أن يكون لقاتل تربّص بضحية عزلاء، فأقدم على قتلها، وغالبا، بعد تعذيبها، بحجة أنها لوثت شرف العائلة الذي لا يسلم من الأذى، حتى يراق على جوانبه الدم!

الغريب المؤذي أن معظم قوانين البلدان العربية تتساهل مع هذا النوع من الجرائم، فتصدر أحكاما بالبراءة. وفي أسوأ الأحوال بالنسبة للمجرم، السجن سنوات قليلة، من دون النظر إلى ملابسات القضية، وحتى من دون التحقق من أقوال القاتل واتهاماته لضحيته. فالقاضي، في مثل هذه الجرائم، يتنازل للقاتل عن بعض اختصاصاته، بل كلها أحيانا، للجاني، ويرضى أن يكون هذا الجاني هو الشاكي وهو النيابة وهو المحامي وهو القاضي وهو منفّذ الحكم أيضا.
وعلى الرغم من أن ملابسات قضية مقتل إسراء غريب لم تتضح بعد، بكل تفاصيلها، ولم يرشح منها إلا ما نقرأه في وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أن ذلك يبدو كافيا لتذكيرنا بقضايا مشابهة، اتضح لاحقا براءة المغدورات فيها، من دون أن يحرّك ذلك ساكنا في ضمائر من أصدر الأحكام المخففة، ومن وافق على بقاء تلك الثغرات القانونية التي ينفذ منها المجرمون إلى الحرية، متباهين بجرائمهم أمام الآخرين!
لا أعرف أي منطق هذا الذي يحكم تلك العلاقات المتشابكة بمعاني القيم الأخلاقية وتناقضاتها في تلك الجرائم، خصوصا في سياق الثقافة العربية، ففي وقتٍ تنتقد فيه هذه الثقافة من يقدِم على فعل القتل، بالغدر، حتى وإن كان الضحية هو العدو الظاهر، نجدها تتساهل مع مثل هذه الجريمة الغادرة بوضوح شديد، فقط لأن الضحية امرأة والجاني رجل، في تناقضٍ آخر من تناقضاتها مع قيم الدين الإسلامي، هذه المرة، والتي لا تفرّق، في مثل هذه الحالات، ما بين الرجل والمرأة على صعيد العقاب.
ربما سيأخذ الجناة هذه المرة، بالذات، عقابهم المستحق، وربما ستؤدي القضية إلى مزيد من الوعي الحقوقي في أوساط المجتمع تجاه هذا النوع من الجرائم، ولكن هذا كله لن يكفي للتخفيف من أثر ما حدث.. ليس لإسراء وحدها، ولكن لكثيرات سبقنها إلى الموت من دون أي ذنب ارتكبنه سوى أنهن نساء.

(العربي الجديد/ 12 سبتمبر 2019)

عن Saadiah

شاهد أيضاً

لوحة لضياء العزاوي

جيل ورث انكفاءه وكتب جسده‏

سبق أن حاولت الحديث عن الجيل التسعيني في الكتابة الإبداعية، حتى قبل انتهاء ذلك العقد، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *