الرئيسية / مقالاتي / الحرب ليست نزهة!
لوحة الفنان بابلو بيكاسو غرنيكا
لوحة الفنان بابلو بيكاسو غرنيكا

الحرب ليست نزهة!

عجبتُ ممن يقرع طبول حربٍ يعرف أنها لن تُبقي ولن تذر. عجبت ممن يرفع رايات حرب لم يستشر في قرار إعلانها. عجبت ممن يغني أغنيات حربٍ لا يعرف سببها. عجبت ممن يبشّر بحربٍ، وكأنه يبشر بنزهة ممتعة. عجبت ممن يظن أن في الحرب منتصرا ومهزوما. عجبت ممن يعتقد أنه عندما يختار موعد بداية الحرب ومكانها، فإنه حتما سيعرف متى تنتهي وأين. عجبت ممن قرأ تاريخ الحروب، وما زال مؤمناً بأنها الحل الأول والأخير. عجبت ممن لا يرى من الحرب إلا عناوينها البرّاقة، متجاهلا كلماتها الصغيرة المغموسة بالدماء البريئة والدموع الساخنة.

عجبتُ، وما زلت أتعجب، من الذين لم يتعلموا الدروس الكثيرة التي مرّت بتاريخ البشرية على طريق الحروب الطاحنة، وها هم هذه الأيام يرفعون الرايات، ويكتبون القصائد، ويدبجون المقالات، تبشيرا بالمعركة التي يظنون أنهم يختارونها بعناية، ولا يعلمون أنهم مجرد أدوات فيها، وفي أفضل الأحوال ضحايا لتجريب أسلحتها الجديدة مدفوعة الثمن أضعافا مما تستحقه فعلا.
هذه المرّة، تبدو المنطقة الخليجية ساحة محتملة جديدة لحرب جديدة، ربما تندلع بين لحظة وأخرى، لا سمح الله. ومع كل أمنياتنا بأن تحل كل المشكلات العالقة بين دول المنطقة، قبل أن يكون الخيار الحربي الأقرب، فإن هذا لا يمنع من اتخاذ تلك الظروف الملبّدة بالغيوم السوداء فرصةً لفهم سيكولوجيات بعض الناس الذين يرون في الحرب، أي حرب، طريقا معبّدة إلى تحقيق طموحاتهم الشخصية والعامة.
أعرف أن هناك من يرى أن الحرب تبدو كالطلاق بين الأزواج أحيانا، باعتبارها أبغض الحلال، وأنها شر لا بد منه في حالات الدفاع عن الدين والوطن والنفس، إن فشلت الحلول الممكنة الأخرى، أو وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود. أما أن تكون هي الخيار الأول للحل، فهذا ما لا أفهمه، وما لا ينبغي للبشرية أن تخضع له.
وفي حالة تلك الحروب شبه المجانية التي تتحطم فيها الطموحات والأحلام الفردية، وتتغير مصائر البشر فيها على نحو مؤسف ومفاجئ غالبا، وتتناثر الأشلاء والجثث في فضاءاتها المفتوحة على الخراب والدمار والقتامة في الروح والأعطاب في الأجساد المتبقية على قيد الحياة، يبدو فيها الإنسان أضعف مخلوقات الله، سواء أكان الجاني أم المجني عليه، حيث يتساوى في الأمر هنا بين متّخذ قرار الحرب مع ضحاياها من الجنود المحاربين وأمهاتهم المكلومات وزوجاتهم المنتظرات وأبنائهم الباقين على قوائم الانتظار أو اليتم أو الحرمان.
الكل في النهاية خاسر بالغ الخسارة، حتى وإن رفع رايات النصر وامتلأ صدره بنياشين الشجاعة. ولا أظن أن هناك من عاش لحظة انتصار كاملة في أي حربٍ من حروب التاريخ البشري. إنما هي أوهامٌ سرعان ما تذوب تحت وهج الحقيقة، وهشاشة الجسد الإنساني، مهما أوتي من قوة، ومهما تسلّح بالأسلحة المطوّرة، وتدرّع بما يظن أنه سيحميه من الموت.
الحرب الهجومية ليست نزهة أبداً، ولن يعود منها منتصرٌ على الإطلاق، وإن كان لا بد منها فلا ينبغي أن نعيشها كحالة جمالية يحتفى بها، تجميلا لها بالقصائد والأغاني والرقص بالسيوف على هامشٍ من موت منتظر.

(العربي الجديد/ 19 سبتمبر 2019)

 

عن Saadiah

شاهد أيضاً

لوحة لضياء العزاوي

جيل ورث انكفاءه وكتب جسده‏

سبق أن حاولت الحديث عن الجيل التسعيني في الكتابة الإبداعية، حتى قبل انتهاء ذلك العقد، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *