الرئيسية / وداع / العزاء للقرّاء.. وللعنقاء والخلّ الوفيّ!

العزاء للقرّاء.. وللعنقاء والخلّ الوفيّ!

العزاء للعنقاء والخل الوفي.. وللإنسان، برحيل اسماعيل فهد اسماعيل الذي كان يشبه «العنقاء والخل الوفي» بنُدرة إنسانيته، وربما باستحالتها في زمن كاد فيه الغول أن يلتهم كل ما تبقى من هناءة في وجود البشر ليحيلنا الى كائنات من رماد وحجر!

العزاء للعنقاء وللخل الوفي.. وللكويت التي عاش فيها أبو فهد غربته الموروثة وعاشت فيه غرابتها الطارئة، فكان ابنها في حنوّه عليها، وحبه لها، وصراحته القاسية بانتقادها، وكانت أمه التي لفرط حبها له اندغمت فيه هوية وهوى، لكنها لا تكاد تتعرف عليه أحيانا لهول ما رأت وما سمعت وما قرأت.. وما حُجِبَ عنها عسرا وقسرا.

العزاء للعنقاء والخل الوفي.. وللوطن العربي الذي تشظى فيه عناوين للحياة وللروايات، فكان «النيل يجري شمالا»، منذ «البدايات» في حراسة «النواطير» بحثا عن نفسه وعن «الطعم والرائحة» باتجاه «الشياح» وصولا الى «سماء نائية».. لكنه بلغها في النهاية لأنه العربي أولا والعربي أخيرا والعربي دائما!

العزاء للعنقاء والخل الوفي.. وللقلم الأكثر وفاء من كل شيء في وجوده المدجج بمبادئ ظل وفيا لها، رغم مغريات كثيرة كان يلوح بها الآخرون ليقايضوه على ما هو حق له في سبيل التخلي عنها.. بلا جدوى! فاسماعيل فهد اسماعيل كبير جدا، وفي جسده النحيل الضئيل قوة عظمى نابعة من إيمان عميق بأن «للحدث بقية»، وأنه قادر على كتابة ما تبقى حتى وهو يحث خطى العمر نحو الثمانين عاما!

العزاء للعنقاء والخل الوفي.. وللكلمات التي كانت الوطن الحقيقي له عندما منّ عليه كارهوها بانتماء هو أصله وكيانه الذي تشظى في ما كتب ونشر، وسيبقى مرجعا لكل الأجيال القادمة في مستقبل الكويت والأمة بأسرها.

العزاء للعنقاء والخل الوفي.. وللأهل والأبناء إذ شاركناهم فيه، فصار أهلنا وأبانا الذي علمنا كيف نقطر محبتنا لتصفو وتطفو فوق كل «المستنقعات الضوئية» وما أكثرها، وما أوحشنا في حضرة جبروتها، لولا الله والسبيل إليه. وكان اسماعيل سبيلا من سبل قليلة.

العزاء للعنقاء والخل الوفي.. ولـ«الطيور والأصدقاء» الذين فتح أبواب بيته ومكتبه وشركته لأحزانهم وأفراحهم، ولحكاياتهم الصغيرة والكبيرة، ولمشروعاتهم المتعثرة والناجحة، ولنجاحاتهم في جمعها وفشلهم المفرد.. ولكل أسرارهم التي كانت تتداعى في حضرته، وإن كانت أخطاء أو حتى خطايا، بلا خوف ولا وجل، فهو الآمن الأمين، وهو الملاذ الذي تتسع مساحته على مدى السنين رغم «قيد الأشياء» في «دوائر الاستحالة»!

العزاء للعنقاء والخل الوفي.. وللشباب الموهوبين، وغير الموهوبين، ممن كان شيخ الرواية في الكويت معلمهم ومدربهم والقارئ الأول لكتاباتهم، الحاني المنحني عليها والمتلمس لنتوءاتها، المعتاد على نزق معظمهم حين يكبرون قليلا فيتناءون عنه انسياقا وراء وهم الوصول.. إذ يبتسم بأسى ويغفر وينسى ويعيد الكرة مرات جديدة!

العزاء للعنقاء والخل الوفي.. ولـ«الكائن الظل»، الذي قضى كاتب «الأقفاص واللغة المشتركة» عمره كله في مطاردته، بحثا عن يقين يعزز قناعاته بقدرة الإنسان على الإصلاح.. حيث ذهب أخيراً، ولا مناص من مواصلة محاولاته بكل ما كتب، حيث بقيت تلك المحاولات بين أيدي قرائه ومحبيه لعلهم ينجحون في الوصول إليه.. الى ذلك الكائن الظل!

العزاء للعنقاء والخل الوفي.. ولـ«إحداثيات زمن العزلة»، التي اكتشف وهو يعينها على الورق وطنه الخبيء تحت ركام الحكايات والوشايات وأقاويل الشر والتفاهة. فكتبها من جديد. أخرجها من بين «المستنقعات الضوئية» وحلق بها بجناحيه اللذين نبتا في جسده النحيل الى حيث كانت السماء زرقاء!

العزاء للعنقاء وللخل الوفي.. وللكويتيين البدون في الكويت، الذين حاول الراحل الكبير أن يكون لهم وطنا في داخل الوطن، وملاذا في غربة الروح، وملجأ في نهاية النفق، إذ كتب عن مأساة البدون في الكويت كمن يعيشها لا كمن يعايشها وحسب، فكانت مادة لآخر رواياته، وعنها قال آخر كلماته في ندوته قبل رحيله بيومين، فكانت بلسما لجراح تتعمق عند كل منعطف من منعطفات الهوية في قلب الوطن!

العزاء للعنقاء وللخل الوفي.. وللقراء الذين لا يعرفونه حتى الآن، لكنهم سيتعرفون عليه لاحقا، وسيندمون حتما لأنهم تأخروا في قراءة رجل برهافة هذا البشري، الذي نجح في الحفاظ على طين طفولته، رغم كل ما حاق بها من محاولات للنزوع بها الى حيث «البقعة الداكنة» من هذا العالم!

العزاء للعنقاء وللخل الوفي.. لي أنا التي تهيبت الاستجابة لرغبته أن أكتب مقدمة روايته الأثيرة «العنقاء والخل الوفي»، فألح علي بإصرار عجيب، وعندما قلت له «كيف أكتب مقدمة رواية كاتب كبير أنا بمنزلة تلميذته وحسب؟»، رد علي بصوته العميق الهادئ «لا كبير في حضرة الكتابة.. كلنا صغار»، وكتبتها فعلا لأنني توسلتها طريقا لفرحه العصي!

نعم..
العزاء للعنقاء وللخل الوفي.. وليذهب «الغول» الذي استوطن مساحات الوحشة في قلوبنا الحزينة اليوم الى العدم، فالحضور الأبدي وحده يليق بأبي فهد.. رحمه الله.(*)

 

 

 

(*) ما بين علامات التنصيص عناوين لبعض أعمال الراحل الكبير

 

(القبس 26 سبتمبر 2018)

عن Saadiah

شاهد أيضاً

موت صحافي حر

رحم الله الزميل الكبير، الخلوق، المبتسم، الهادئ، المهني، دمث الأخلاق، السهل الممتنع، الخبير بحرفته، العالي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *