الرئيسية / مقالاتي / المنسية… والليبرالي

المنسية… والليبرالي

مباركٌ للشاعرة الكويتية الشابة ميسون السويدان فوزها أخيرا بجائزة الدولة التشجيعية في الكويت عن ديوانها الأول “منسية”. ومباركٌ لجيلها كله من الشعراء والشاعرات الشباب هذا الفوز المستحق، والذي رأيت فيه اعترافا “رسميا” مطلوبا بما قدّمه ويقدّمه هؤلاء الشباب من إبداع ساهم في رفد الحركة الإبداعية العربية، وعزّز اسم الكويت على خريطة الأدب العربي. ولن يقلل من قيمة هذا الفوز وأهميه الجائزة ما أثاره بعض من احتج عليه، فعلى الرغم من أن شعراء وروائيين كويتيين شبابا كثرا سبق أن فازوا بهذه الجائزة السنوية، إلا أن فوز ميسون بها تحديدا أثار ردود فعلٍ لم أكن لأتوقعها من أصحابها، وأبرزها مقالة للكاتب الكويتي أحمد الصراف، نشرها قبل أسبوع تقريبا، بعنوان “مكاييل وزير الإعلام المائلة”. ولأنني لا أعرف الصراف إلا كاتبا ليبراليا ومحاربا شرسا في معركة الحريات، ومعظم مقالاته تصب في هذا التوجه، فقد أدهشتني أن تبدو تلك المقالة، في القراءة العميقة لها، كأنها نوع من “استعداء وزير الإعلام” على اللجنة التي منحت الشاعرة الجائزة على ديوانٍ يحتوى بعض الأبيات التي رآها الكاتب، كما يبدو جريئة، وفقا للمعايير الأخلاقية المتعارف عليها عربيا في الوقت الراهن.
ويبدو لي أن الصراف لم يكن ليستغرب، على الأقل، من فوز شاعرة “جريئة” بجائزة، لو لم تكن ابنةً لداعية إسلامي شهير. ولعل هذا هو السبب الذي دعاه إلى أن يعرّف ميسون لقرائه بأنها ابنة الداعية الإسلامي، طارق السويدان، وهو السبب أيضا الذي دعاه إلى أن يورد رأيه بالداعية، وبما سماها تقلباتٍ شابت فتاواه أخيرا، قبل أن يعترف بأن لا شأن له، ولا لقضاياه، بالأمر الذي يناقشه في المقالة.
كانت صورة الشاعرة الشابة، وهي تتوسط، حاسرة الرأس، والدها الداعية الإسلامي الشهير ووالدتها (وهي داعية أيضا وناشطة في مجالات تربوية ذات طابع إسلامي) صورة لا تتكرّر كثيرا في عالمنا العربي، وهي في محصلتها والوعي المشترك الذي أنتجها تُحسب لتلك العائلة، لا عليها. تُحسب للوالد والوالدة اللذين يحتضنان موهبة ابنتهما واهتماماتها، مهما كانت، ويؤازرانها في طريقها واختياراتها في الحياة، على الرغم من اختلافها عنهما بشكل لافت. ويحسب لميسون التي اختارت أن تختلف عنهما على هذا النحو، وأصرّت أن تعلن اختلافها، على الرغم من المحاذير المجتمعية المتوقعة، إثر خطوةٍ اتخذتها في مرحلةٍ متأخرة نسبيا من عمرها، عندما قرّرت أن تغير طريقتها في اختيار ملابسها، وأن تخلع غطاء الرأس (الحجاب) الذي لم يعد يناسب قناعاتها الفكرية وخياراتها الدينية. ولا أعرف لماذا تثير صورةٌ مضيئةٌ كهذه آخرين، يُفترض أنهم محسوبون على التيار الليبرالي والفكر التقدمي، ما يجعلهم يتخذونها سببا في التعرّض لفكرة فوز الشاعرة بجائزةٍ عن ديوان يحتوي قصائد (أو قصيدة) لم يتوقعوا أن تكتبها ابنة داعيةٍ، إلى درجةٍ يتهمون فيها، وإنْ عرضا، اللجنة التي اختارتها بأنها غير عادلة!
ليست الجائزة هدية من وزارة الإعلام، بل هي مكافأة على فوزٍ في مسابقة يتقدّم لها من يود المشاركة ممن تنطبق عليها الشروط الأولية المعلنة، ويفوز بها، في النهاية، من ترى لجنة التحكيم أنه يستحقها أكثر من غيره من المشاركين. وبالتالي، لا ينبغي أن ينظر لها خارج إطار هذا السياق المحدّد.
وربما، لهذا لا أريد قراءة مقال الزميل أحمد الصراف من باب التحريض على حرية التعبير. وأربأ به أن ينزلق هذا المنزلق الخطير، وهو الذي عانى من مقصّ الرقيب ما عانى. ولكنني أيضا لا أستطيع قراءتها على سبيل المقارنة بين “تساهل” اللجنة التي منحت ديوان ميسون الجائزة وتشدّد اللجنة التي أوصت بمنع كتابه قبل أشهر، فالمساواة في الظلم لا يمكن أن تكون عدلا على أية حال.

 

 

(العربي الجديد 31 يناير 2019)

عن Saadiah

شاهد أيضاً

لوحة لبيكاسو

فيزياء الكتابة الروائية

ما الذي يمكن أن نسميه هوية النص الروائي، من بين عناصر بناء الرواية التقليدية كلها؟ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *