الرئيسية / مقالاتي / تفاؤل في ظلال المختبرات

تفاؤل في ظلال المختبرات

سينضب النفط يوما ما حتما، وربما سيفقد أهميته العالمية الكبرى حتى قبل أن ينفد. كل المؤشرات تقول ذلك. وبالتالي من الغباء أن يبقى هو المصدر الرئيس وشبه الوحيد لمعظم البلدان الخليجية، كما حدث ويحدث منذ اكتشافه في ثلاثينيات القرن الماضي وأربعينياته.
وفي ظل ما يحيط بالمنطقة الخليجية من ظروف سياسية مفاجئة وصادمة، تجعل أسعار النفط تتأرجح في الهواء، بما لا يتوافق مع أرقام أي خطة مستقبلية لأيٍّ من البلدان التي تعتمد عليه، يكون البحث عن استثمار حقيقي آخر ضرورة حتمية، وبما يوازي ضرورة الحياة نفسها.
صحيحٌ أن محاولات كثيرة بُذلت في هذا البلد الخليجي أو ذاك، تحسبا لتلك اللحظة الآتية حتما، ولكنها تبقى مجرد تنويعاتٍ فرديةٍ نادرة، وأغلبها إعلامي إعلاني ترويجي، ما زال يعتمد العناوين الكبيرة من دون مردود حقيقي. أما الاستثمار الحقيقي والأساسي والذكي، والذي بدأت تتنبه إليه أخيرا بعض حكوماتنا في الخليج فهو الإنسان. ذلك أن العنصر البشري سيبقى المدماك الأول في أي عملية بناء متوخّاة، ولا يمكن لأي عنصر آخر أن يتخطاه. وبالتالي، ينبغي أن يكون الاستثمار فيه سيد الاستثمارات، فلا خسارة أبدا في كل فلس واحد يُبذل في سبيل تعليم الإنسان وتدريبه وتطوير مهاراته، على اختلافها وتنوّعها.
حظيتُ قبل يومين بجولة إعلامية سريعة في بعض عناوين مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، أو ما تُعرف اختصارا “قطر فاونديشن”. عرفت فيها أن أهم ما تنوي أن تستثمره قطر في سبيل مستقبل أفضل لها، خصوصا في مرحلة ما بعد النفط والغاز الطبيعي، هو الإنسان، من خلال التعليم والتدريب المستمر لأبنائها.. منذ الطفولة ودائما. وكانت الجولة برفقة وتنظيم شابين نابهين، علياء السويدي وصادق الفردان، اللذين كانا نموذجا لبقية الشباب العاملين في هذه المؤسسة الكبرى، فقد كانا شعلتين من النشاط والمهنية في التنظيم والتنسيق للجولة، بالإضافة إلى ما تميّزا به من درجة معرفية ولغوية عالية، مكّنتهما من الترجمة الدقيقة لكثير مما سمعناه من مصطلحات علمية بحتة.
خلال ساعات، كنت والوفد الإعلامي العربي المرافق على موعد مع المستقبل في شروح موسعة من القائمين على هذه الصروح الكثيرة، خصوصا واحة قطر للعلوم والتكنولوجيا، والتي تعرّف نفسها بأنها “إحدى الجهات العاملة في مجال البحوث والتطوير والابتكار بمؤسسة قطر، هي منطقة حرة وحاضنة رئيسية للبحوث التطبيقية والتكنولوجيا المبتكرة ومشروعات ريادة الأعمال في دولة قطر. تعزّز واحة قطر للعلوم والتكنولوجيا منظومة فريدة ونشطة تفسح المجال أمام تطوير منتجات وخدمات تكنولوجية جديدة فائقة التطور، وتدعم التسويق التجاري للمنتجات التكنولوجية الواعدة، وتوفر في الوقت نفسه المرافق والأجواء الحديثة المناسبة لاحتضان الشركات التكنولوجية”.
قابلنا في تلك الواحة نخبة من العلماء المنكبّين على أبحاثهم وتجاربهم في مختبرات علمية، وصفها أحدهم بأنها أفضل مختبرات وأدقّها للمواد الصلبة موجودة في منطقة الشرق الأوسط، وربما العالم كله. وقالت باحثة أخرى إن تلك المختبرات ذات السمعة العالمية الرفيعة بالذات هي السبب الأول الذي شجّعها على القدوم إلى الدوحة، للعمل في واحة قطر للعلوم والتكنولوجيا، بمجرد أن أتيحت لها الفرصة.
انتهى اليوم الأول من الجولة بشعور غريب تولّد لدينا، ونحن نرصد ما مررنا به في أثناء تنقّلنا من مختبر إلى آخر؛ مزيج من التفاؤل والطمأنينة.. لمرحلة ما بعد النفط، ولو على صعيد التفاؤل على الأقل.
(العربي الجديد/ 10 أكتوبر 2019)

عن Saadiah

شاهد أيضاً

على هامش النسوية

الحديث عن “النسوية الخليجية” جسرٌ علينا أن نعبره عبور الكرام، من دون الرجوع إلى التاريخ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *