الرئيسية / مقالاتي / صدقات أمام الكاميرات

صدقات أمام الكاميرات

لا أفهم ما الحاجة الفعلية لتصوير المحتاجين، وهم يتسلمون المساعدات والصدقات من أيادي المتصدقين عليهم، ونشر الصور والمقاطع في وسائل التواصل الاجتماعي بهذا الشكل الكثيف في رمضان، وغير رمضان أيضا. يقول المحسنون والمتصدّقون، وأصحاب الحملات الخيرية، والمتطوعون، المسرفون بالتصوير إنهم يفعلون ذلك من أجل نشر الإيجابية، وتشجيع الآخرين على تقليدهم بفعل الخير، وأيضا من باب الشفافية، وحتى يعلم من سلمهم أمواله للتصدّق بها، أين ذهبت تلك الأموال بالضبط. وهذه قد تكون أسبابا مفهومة، وأنا أصدق أغلبهم، والله أعلم بالنيات بالتأكيد، وليس من مصلحة العمل الخيري التشكيك بروّاده بسبب تلك الصور. المشكلة الحقيقية أن كثيرين منهم للأسف يبالغون كثيرا بالتصوير، ويركّزون في المشاهد المصوّرة على وجوه الناس وانكساراتهم، في انتظار تسلم الصدقات بمنتهى الوضوح، بل يتصرّف بعضهم تصرفاتٍ أقرب الى إذلال المحتاجين، قبل أن يسلمهم ما هو مقسوم لهم من عند الله، فيطلب منهم أن يصرّحوا بشكر تلك الجهة، أو ذلك الشخص، وأن يدعو له مثلا.. إلى آخره من تلك التصرفات التي يقدم عليها المحتاج، تحت وطأة حاجته.
أشاهد ذلك في صور فوتوغرافية، ومقاطع فيديو مصوّرة في وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك في بعض البرامج التلفزيونية هذه الأيام. عجائز مرهقاتٌ دامعاتٌ ومسنّون ضعفاء يرفعون أكفّهم بالدعاء الذي يكاد يكون موحّدا لمن يسلّمهم الصدقة، بينما تدور الكاميرا حولهم ثم تقترب من أكفّهم المرتجفة، ووجوههم المتعبة. وعلى وقع الموسيقى التصويرية، أو الهمهمات ذات الوقع الديني المعتاد، تغوص تلك الكاميرات أكثر وأكثر، متفرّسة في الأعين، بحثا عن دمعةٍ قد تنزل تأثّرا لتصوّرها وكأنها تحقق بذلك انتصارا ما للسيد المتصدّق أو من ينوب عنه في المشهد، فتتحوّل الكاميرا إليه مبتسما بعرض الشاشة!
أعرف أن كثيرين يفعلون ذلك بحسن نيةٍ بالتأكيد، وأنهم لا يقصدون إهانة المحتاجين، وأعرف أيضا أن ذلك غالبا يتم برضا هؤلاء المحتاجين، وسماحهم بالتصوير. ومع هذا، يبدو المشهد مؤلما، وخصوصا عندما يعرض على الشاشات مرارا وتكرارا، ونوعا من الدعاية لهذه الجهة الخيرية أو إعلان عن نشاطاتها مثلا، بل إنه أحيانا يعرض على مدى سنوات، وفي كل موسم رمضاني.
ثم إن السماح الذي يبديه المحتاجون بالتصوير أكاد أجزم أنه يتم تحت وطأة الاحتياج وحده، لأنهم يعتقدون أنهم لن يحصلوا على هذه الأعطيات والصدقات، من دون تصوير فيوافقون، وإلا لا أظن أن أحدا يسعد بتصويره، وهو بتلك الحالة من الضعف والانكسار أمام حاجاته الكبيرة والبسيطة أمام جميع الناس. ويزداد الأمر سوءا، عندما تبقى تلك المشاهد والصور في ذاكرة الإنترنت على الدوام، حتى بعد أن تتغير أوضاع أولئك المحتاجين إلى الأفضل، وربما يكبر أطفالهم ويُحرجهم ويزعجهم أن يروا آباءهم على تلك الصورة. لا أقصد أنها صور مهينة لهم، ولكنها تبدو كذلك فعلا أحيانا، حتى وإن حاولنا تلطيف الأمر بوسائل مختلفة.
لهذا أتمنى أن تختفي تلك الصور والمشاهد، وإن كان لا بد منها أحيانا، فلا يتم التركيز فيها على الملامح والوجوه في أدقّ انكساراتها أمام عدسات الكاميرا.. رفقا بهم وبضعفهم.

 

( العربي الجديد / 30 مايو 2019)

عن Saadiah

شاهد أيضاً

لوحة للفنان سلفادور دالي

نلاحظ.. ونرصد.. ونستغرب

لماذا لم نعد نسمع بتيارات شعرية أو قصصية أو روائية، كما كنا نفعل في الماضي؟ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *