الرئيسية / مقالاتي / في حضرة المنسي

في حضرة المنسي

قدّر لي، في أواخر عام 2013، أن أقدّم الكاتب الراحل، إسماعيل فهد إسماعيل، في ندوة استضافها المقهى الثقافي في معرض الكويت الدولي للكتاب بدورته الثامنة والثلاثين. سألته في الندوة التي نُظمت تحت عنوان “في حضرة العنقاء والسماء الزرقاء”: أين سيرتك الذاتية المكتوبة؟ فأجاب: “رواياتي الأربع الأولى كان فيها شيء من حياتي، لكن بعد ذلك حدث انفصال بين حياتي وما أكتب. تأتي سيرة الأصدقاء وتتخلل رواياتي. حاولت كتابة سيرتي بين عامي 2009 و2011، حتى اكتشفت أن القضية ستكون غير مغرية للقراءة”.
رحل إسماعيل إذن من دون أن يكتب سيرته الذاتية مباشرة، لكنه وزّع شظاياها بين ما كتب من قصص وروايات ومسرحيات. لقد تمنّى في صغره أن يكون مخرجا سينمائيّا، ورتب أحلامه على ذلك الأساس، حتى إنه كان يحضر، كما أخبرني، إلى دور السينما يوميّا ليتابع الأفلام، ثم يحاول دراسة تاريخ المخرجين المتميزين. إلا أن الحلم تبدّد لاحقا تحت وطأة الرغبات العائلية، فأقنع نفسه بأنه سيكون مخرجا سينمائيّا على طريقته الخاصة عبر الكتابة وحسب.
في تلك الندوة التي فتحتها يومها على أسئلة الجماهير، قلت له أمامهم: ماذا تبقّى من حلمك؟ فصمت قليلا، ثم قال: “هناك الكثير من المبدعين الذين انصرفوا عن الكتابة بحثا عن شكل آخر من النضال، وأنا منهم. نعم.. لقد تولّد لديّ إحساس بأن الكتابة أصبحت غير مجدية، وانقطعت لسنوات، حتى سكنني سؤال: لماذا نحن هكذا؟ فشرعت في قراءة التاريخ من العصر الجاهلي حتى المملوكي، وعرّجت على الوضع في مصر إبّان محمد علي، والذي كان متقدما عن دول أوروبا رغم الفساد، حتى جاء الاحتلالان الفرنسي والبريطاني، وقضيا على كل حلم. ومن هنا كانت فكرة كتابة رواية عنوانها “النيليات”، وهو ما أعادني إلى الكتابة مرة أخرى”. وهكذا بقي شيخ الرواية في الكويت مسكونا دائما بهاجس الكتابة، منذ بدأت رحلة الوعي لديه. وكانت كل أحداث حياته الأخرى تتقاطع مع ذلك الهاجس.
وُلد إسماعيل فهد إسماعيل في البصرة في العراق عام 1940 لأسرة كويتية، وعاش طفولته وشبابه الأول بعيدا عن وطنه الكويت الذي عاد إليه بسؤال الهوية الملتبس، والذي حاول الإجابة عليه عبر الكتابة وحدها. وعلى الرغم من أنه عمل، في بدايات حياته العملية، بالتدريس وإدارة الوسائل التعليمية، فإنه سرعان ما اكتشف أنه خُلق للكتابة وحدها، وبتنويعاته المختلفة. وفي سبيل تجويد موهبته في كل تجلياتها، استكمل دراسته الأكاديمية في المعهد العالي للفنون المسرحية في الكويت، حيث حصل على الإجازة الجامعية في أدب المسرح ونقده. وأنشأ بعدها شركة للإنتاج الفني، كانت حاضنة لكثير من أعماله الفنية. ولكنه بعيدا عن تلك الشركة، كان هو نفسه الحضن الدافئ لمعظم الروائيين الشباب في الكويت، فقد كان مكتبه مقرًّا لبداياتهم في الكتابة والنشر. وعندما رحل أواخر عام 2018، شعر كثيرون من هؤلاء الشباب باليتم الحقيقي.. فلم يكن إسماعيل فهد إسماعيل والد الرواية في الكويت كما عُرف بذلك فحسب، بل كان والد معظم الروائيين فيها أيضا.
________________________________________________
على سبيل الختام لندوة “في حضرة المنسي” ضمن فعاليات مهرجان جائزة كتارا للرواية العربية في دورتها الخامسة في الدوحة.
(العربي الجديد/ 17 أكتوبر 2019)

عن Saadiah

شاهد أيضاً

على هامش النسوية

الحديث عن “النسوية الخليجية” جسرٌ علينا أن نعبره عبور الكرام، من دون الرجوع إلى التاريخ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *