الرئيسية / مقالاتي / كيف أفسدت الكتابة الشعر
لوحة للفنان محجوب بن بلة
لوحة للفنان محجوب بن بلة

كيف أفسدت الكتابة الشعر

هل للشاعر أهداف مباشرة يحاول الوصول إليها بواسطة الشعر؟ لعله. لعل شعراء عديدين يفعلون ذلك، ولكن بالتأكيد ليس كلهم. وعموما، الشعر حالة فردية خاصة جدا، وفقا لإخلاصها لذات الشاعر.
مثلا، بعد مضيّ نحو ثلاثة عقود على نشر مجموعتي الشعرية الأولى، اكتشفت أنني أنتمي لفئة من الشعراء الذين يمكن وصفهم بأنهم لا يحاولون الوصول إلى أهدافهم على ظهر القصيدة، حتى وإن كانت القصيدة أحيانا أهلا لذلك، أي أنها كانت مباشرة إلى الدرجة التي يمكن لشاعرها أن يحملها بأفكاره الواضحة بسهولة، فليس لي هدف مباشر وحقيقي وثابت من كتابة الشعر، على الرغم من أنه يبقى هدفا مقبولا جدا. وهو نتيجة مشتهاة ومتمنّاة لي، بعد كل انتهاء من كتابة قصيدة. ذلك أن الشعر ذلك كله، وأكثر بكثير. ولهذا السبب، لا أميل إلى تعريفه، على الرغم من محاولاتي السابقة، ربما لأنني اعترفت لنفسي، في النهاية، بأنني عاجزة عن فعل ذلك.
لا بد أن يكون الشعر ضد كل تعريفٍ مثل كل المعاني الأصيلة المكونة لمادة الحياة. ليس في قصائدي وحسب، بل في كل قصيدةٍ لا بد أن تتولد دهشة من رحم العدم، ذلك أن الشعر فعل حياة مقاوم للعدم، حتى وإن عبّر بواسطته الشعراء عن العدم نفسه. لا يهم، فالمهم دائما هو حالة التعبير بواسطة المفردات، وظلالها الكثيرة والغامضة غالبا، والتي تبدو لي أحيانا أهم من المفردات نفسها. في تلك الظلال، يمكن للشاعر أن يجد نفسه، وأن يجد عواطفه ومشاعره وأحاسيسه، وأيضا أفكاره، ويجد ما يبحث عنه من خلال القصيدة بطريقة عفوية. هذا يسبب ارتباكا مع النقد والنظريات النقدية التي تتناول الشعر باعتباره مادةً خاما، فتبدأ بتشريحه بقسوة، وبما لا يليق به أحيانا. لست ألوم النقاد، فهذا عملهم، ولكن لا ينبغي للشعراء، ولا حتى للمتذوقين والمتلقين، أن يخضعوا لذلك العمل.
يتجاوز الشعر، في هذه الحالات، تلك الحالة الكتابية التي هي منطقيا حالة لاحقة لحالة الشعر نفسه، ذلك أن لا علاقة حقيقية بين الشعر والكتابة، فالشعر وجد قبل الكتابة بمعناها التدويني على الورق، أو عبر الشاشات الإلكترونية، بالتأكيد. ويبقى بعدها أن قدر للحياة أن تشهد لحظة لما بعد الكتابة. كثيرون مثلا من أجدادنا لم يكونوا يعرفون ما القراءة وما الكتابة وما التدوين، ولكنهم يعرفون الشعر، يتذوّقونه ويتنفسون وفقا لتدفق القصيدة في صدورهم.
هذه حقيقة تتجاوز التخييل والمجاز أيضا. بل لعلي أبالغ أحيانا، في تعبيري، عن نفي العلاقة بين الكتابة والشعر، فأقول إن الكتابة ساهمت، بشكلٍ ما، في إفساد الشعر، إذ استلبت بعض عفويته، وساهمت في وقف دفقه الطبيعي في أثناء كتابته أو تدوينه.
لكننا ينبغي أن ننتبه إلى ذلك الخلط المقصود أحيانا، وغير المقصود أحيانا، في استخدامنا مصطلح “كتابة الشعر”، فنحن عندما نستخدم مصطلح الكتابة، ونحن بصدد الحديث عن كتابة الشعر، نتجاوز المعنى التدويني إلى معنى الخلق أو الإبداع. أي أن المصطلح هنا تحرّر، تماما أو جزئيا، من المعنى الحرفي للكتابة، باعتبارها تدوينا أو نقلا لما يدور في الخلد إلى الورق أو الشاشات الإلكترونية على سبيل المثال. وبالتالي، نستطيع أن نستخدم المصطلح بحرّية أكثر في تلك الحالة، شرط أن نكون واعين تماما لمنطلقاته ومحدّداته. ومن نقطة وعي هذه، نستطيع الانطلاق نحو الحديث عن الشعر بحريةٍ تليق به.
(العربي الجديد/ 5 سبتمبر 2019)

عن Saadiah

شاهد أيضاً

جناحي.. في أدب الحج

ينما نحن نعيش موسم الحج هذه الأيام، تعود بي الذكرى إلى أيامي فيه، حيث أديت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *