الرئيسية / مقالات سعدية مفرح / مقال خال من كورونا
لوحة لفان غوخ
لوحة لفان غوخ

مقال خال من كورونا

سعدية مفرح/

إلى أي حد أصبحنا أسرى لمزاج السيد الفيروس؟ هل يمكننا الخلاص من أسره، إن أردنا، ولو على سبيل الخيال والكتابة وحسب؟ هل نستطيع فعلا أن نفلت من سياجه الذي أصبح يلفّ الكرة الأرضية بأسرها؟ هل يمكن تجاهله على الأقل؟

كنت قد قرّرت ألا أكتب مقالي هذا الأسبوع عن كورونا. قلت لنفسي إنني كتبت عن هذا الفيروس القاتل بما يكفي لأن يملّ مني القارئ المحاصر بأخبار الوباء في كل مكان تقريبا؛ بدءا من هواجسه الشخصية وحتى أقصى بلدان العالم وأبعدها جغرافيا منه، مرورا بالبيت والشارع والعمل، إن كان ما يزال يعمل، وكل وسائل الإعلام التقليدي والجديد. لكنني وجدت نفسي في خياراتٍ قد تبدو مجرد الكتابة فيها هذه الأيام رفاهيةً ساذجة، وترفا لا يليق بالمرحلة وعنوانها في راهننا العالمي.
نعم .. لا بد أن قرّاء كثيرين يبحثون هذه الأيام، على سبيل الاخلاص الوهمي، عن مقالاتٍ خالية من دسم كورونا وما يتعلق به. ولا بد أنني أتلمّس حاجة مثل هؤلاء القراء، بل وحاجتي الشخصية أيضا، وأبحث عن موضوع آخر للكتابة عنه، كما كنت أفعل قبل أن نسمع بأخبار هذا الوباء التي تحولت من أخبار تخصّ الآخرين البعيدين عنا إلى واقع نعيشه يوميا. أنا أيضا أريد هذا النوع من الخلاص الوهمي عبر الكتابة، باعتبار أنها هي الحل لكل ما استعصى علينا من مشكلات، ولو كان حلا افتراضيا.
حسنا.. ها أنذا مستعدّة لاختيار موضوع جديد للكتابة عنه، بعد أن أغلقت كل مصادر الأخبار حولي، واختليت بلحظة الكتابة الخالصة، فهل أكتب عن الشعر أم النثر أم المسرح أم الموسيقى أم الكتب أم السينما أم الرسم.. وهي موضوعاتي المفضلة، والتي أعيشها في حياتي الطبيعية ما بين البيت والعمل دائما؟ أم أستعير بعض موضوعاتي المفضلة في وسائل التواصل الاجتماعي، فأكتب عن قضايا سياسية أو فكرية أو اجتماعية ملحّة؟ أفتش في دفاتري القديمة، كتاجر مُفلس، للبحث عن فكرة أعيد صياغتها وفقا لمعطيات جديدة مثلا؟ أم أخطو في ضوء الخيال، وأستشرف مستقبلا جديدا خاليا من كل مشكلات الأمس والغد؟
حاولت هذا كله وفشلت بسهولة، ذلك أن كل كتابةٍ من هذا النوع، ومهما اجتهدت بالانغماس فيها، ستودي بي، في النهاية، إلى مملكة الجنرال كوفيد ذي الرتبة 19، والمتخفّي بيننا باسمه الأنثوي كورونا. كل شيء تقريبا طاولته سهام هذا الجنرال المتغطرس، والذي ما زال يتحدّى مختبرات العلماء وخبرات الأطباء، ويردي ضحاياه من كل الأعمار والأجناس بقسوة من لا يبالي، وبإصرار من لا يظن أنه سيخسر المعركة أبدا. مملكته تتسع يوما بعد يوم، وسياجه يعلو ويرتفع!
هذا يعني أن التفكير في الهروب من الوباء المسيطر على هذا النحو الدقيق، سيبدو فرط اهتمام به إذن، وبالتالي ستفشل المحاولة قبل أن تبدأ. فمن يهتم، حقيقة ويقينا، بعالم خارج حدود وباء إن لم يفلح في إنهاء العالم كله على نحو ما، فعلى الأقل سيغيره تماما وقد بدأ يفعل فعلا؟
لا أدري.. ربما يبدو كلامي هذا مبالغا فيه بعض الشيء، وأن ما حدث ويحدث على يد القاتل الرهيب سيبدو بعد مجرد شهور قليلة مجرّد زوبعة في فنجان، حتى وإن كان هذا الفنجان كبيرا جدا بحجم كرة أرضية حقيقية، ومزيّن بخريطة العالم كله. بدءا بالصين وانتهاء بأميركا وما بينهما من شعوب ودول وقبائل، ما زالت تتصارع في قعر ذلك الفنجان.

( العربي الجديد 2 أبريل 2020)

عن Saadiah

شاهد أيضاً

الإنسانية في زمن كورونا

سعدية مفرح فيروس صغير، كما يقول الراسخون في علم الأحياء، لا يُرى بالعين المجرّدة، سبّب …

تعليق واحد

  1. الكتابة هي الحل
    بحثت عن طريقة للتواصل ولكن لم اصل الى اي وسيلة
    اتمنى ان اعرف رأيك في مقالي الأخير
    http://hidaya-52875.blogspot.com/2020/04/blog-post.html

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *