الرئيسية / فواصل / مُدن السّكّر
لوحة للفنان محمد السّالمي

مُدن السّكّر

بقلم: إبراهيم محمد نصير

” مدن السّكّر”  تكاد  تكون – من وجهة نظري – الوريث المتوقّع لمدن الملح الّتي أقام بنيانها الرّوائيّ الكبير عبدالرّحمن منيف .غير أنّ مآلهما إلى عدم ؛ فالسّكّر كالملح إنْ أصابهما الماء صافيا أو كدرا ذابا وتلاشيا . ليس هذا تكهّناً ولا هو من علوم الغيب ؛ إنّما هو سنّة التّاريخ في أرضنا أو سنّة أرضنا في تاريخنا : كلّ مولود موعود بالفناء ليعقبه مولود آخر ليفنى وهكذا دواليْك ، هي سنّة الدّواليْك – مُذ وُجد التّاريخ – في كلّ شيء : صحة فمرض ، غنى ففقر ، حياة فموت ، قوّة فضعف … . قد تكون عبارة ” مدن السّكّر ” لطيفة المذاق ، إلّا أنّها قاسية متطرّفة لا تحمل أملا كما كانت تحمله ” مدن الملح ” التي امتازتْ بانبعاثها  الطّارئ بين مدن تجاورها لمّا تزل باقية وعيون أهليها لمّا تزل دامعة باكية ذاهلة . فمَنْ شاءتْ أقدارُه آنئذٍ أنْ يتّخذها سكنا ومقاما فليتَه لايفعل ، وليته يُيمّم شطرا غيرها ؛ فهي مدن جلّ قاطنيها مصابون بداء السّكّر . وتلك المدن ليستْ كغيرها ؛ حيث فيها تركّبتْ طبقات فوق طبقات : فطبقة الكادحين وهم من عامّة النّاس يبدو أنّهم قد تورّطوا بعلاقاتهم بمن هم أعلى شأنا ، فإمّا أنْ تنضمّ إلى هذا الفريق ، وإمّا أنْ تنتمي إلى تلك الطّبقة ، وإمّا أنْ تركن إلى تلك الجماعة  ، وإمّا أنْ يخضعك نظامك السّياسيّ فلا تجد محيصا ولا مهربا . ودع عنك ما تتناقله ألألسن من أجيال بعيدة الزّمان بأنّ هذا حقّ وذاك باطل ؛ فكلاهما سيّان وواحد إنْ كنت من أهل مدن السّكر ؛ فلكلّ طبقة تعريفها الخاصّ في قاموسها المخصوص بهما ؛ أعني بتعريفها الحقَّ والباطلَ . فهي وحدها دون الآخرين – والآخرين بمثل الأولى – ترشدك إلى كنه الحقّ الّذي يراه الآخرون – بدورهم – باطلا لا لبس فيه ولا جدال .

وهكذا وبهذا الشّرح الغامض الفلسفيّ أكون قد أزحت السّتار قليلا عمّا يحدث في تلك المدن الّتي يغلي باطنُها  كما يغلي المرجل في ليالي الشّتاء لا تسمع هسيسه ولا حسيسه نهارا ، غير أنّ النّار متّقدة في كلّ مرجل من مراجل الطّبقات البشريّة . قد يعزّ عليَّ أنْ أصرّح بغايتي ؛ وذلك لأنّي من أقوام المدن تلك ، فلن تجدي صراحتي نفعا ولا دفعا . فمدن السّكّر لن تجدها مختلفة عن مدن الملح ، فهي تشبهها ؛ أو بعبارة أخرى : هي من رحم مدن الملح ، فجاءت وليدا مشوّها في قيمه مبعثر الأطراف حيث لا تجد حدودا بين تلك الطّبقات ؛ لأنّها تتحوّل سريعا من طبقة إلى أخرى وَفقاً لأهواء نظامها وقواعد لعبتها ، فهي أشبه ما تكون بالقطٍّ الشّرس تارة والوادع الّذي تراه يتلوى أمامك على ظهره بين قدميك  دلالا وتغنّجا ، فاحذرْه ..لأنّك الفأر ! والورطة الّتي ذكرتها آنفا هي ورطة بعضهم من ذوي الألباب والبصائر وذوي المعرفة والعلم ؛ هي ورطة المثقّفين في محيط ليس لهم فيه حقّ أنْ ينقدوه أو يعارضوه أو يبدوا شيئا من عدم الرّضى . فأمّا الحقّ الوحيد الّذي منحته لك مدن السّكّر فهو حقّ الطّاعة والخناعة . فعليك أنْ تكون كالأعمى والأصمّ والأبكم ؛ هذا الثّلاثيّ الّذي ازداد تعداده في مدن السّكّر منذ أنْ شرعت تغيب مدن الملح . قد لا أكون ثلاثيّا في محيطي ، بل قد أكون ثنائيّا : أبكم وأصمّ ، غير أنّك ترى كلّ شيء ، وهذا أسوأ الأصناف وأقبحه ؛ لأنّك لا تزال كمن يضع قدمه فوق لغم لمّا ينفجر .

قد لا يعنيك الأمر شيئا ، وقد تكون في رفاه ليس لدى غيرك ، ولكنّ مثل هذا كمثل مَنْ اشترى طيرا زاهيا مغرّدا فأسكنه قفصا ذهبيّا ثمّ علّقه على غصن شجرة طبيعيّة غُرستْ في أصيص في بهو القصر لتكتمل  به صورة السعادة المرتسمة على وجه صاحبه المُتّكئ على أريكته المُذهّبة . في مدن السّكّر يتوافر لك كلّ شيء وبكلّ الطّرق ؛ فليس أيسر من أنْ تطلب أمراً فإذا به أمامك . في مدن السّكّر تتفسّخ البطون ملآنة بالشّبع والنّهم . في مدن السّكّر تقصر أيّامك وتتسارع وتيرتها ، فما هي إلّا غمضة عين حتّى تجد نفسك  كهلا هرما ، وتظلّ تسأل نفسك : أين مضى زماني .. هل سُرِق أو بُدّد أو حُوّل إلى شيء آخر تبرمجه عقولنا الّتي عقلنتها البرمجة المجتمعيّة الوافدة أو المستوطنة ذات العيون الزّرق ؟

مدن الملح ومدن السّكّر مدينتان سيذكرهما التّاريخ بشيء من الغبطة ، بيْدَ أنّ النّفوس ستتأوّه لِما سيُصار إليه ؛ لن تنتبه أنّك قد أُصبتَ بداء السّكّريّ المجتمعيّ إلّا إذا أُصبتَ بداء الضّغط اليوميّ حين يثقل كاهليْك عبء الانتماء إلى إحدى الطّبقات إمّا آمِراً وإمّا مأموراً ،  غير أنّ الآمِر يتنعّم ببعض الدّواء الشّافي . مدن الملح ومدن السّكّر مرآتان للتّخمة الّتي يحملها مواطنوها ومستوطنوها ؛ تلك التّخمة الّتي أصابت نظام النّاس اضطراباً في صحّته أوّلا وفي تعليمه  ثانيا ومن ثمّة في اجتماعه ثالثا . أمّا ما تبقّى فليس له كبير أثر . فإنْ أُصيب النّظام فلا نظام بعد ذلك . ومع ذلك فإنّي لطالما سألتُ نفسي : هل ثمّة أمل في مدن السّكّر كما كان يرجو عبدالرّحمن منيف في مدن ملحه ؟

عن Saadiah

شاهد أيضاً

الحرب أم الوباء ؟

أنوار فاهد مخلد(*)/ كان ينظر إليها، وهي تُرتب الكتب على الرف، حائراً هل يسأل أم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *