الرئيسية / مقالاتي / النهر نفسه بمياه أخرى

النهر نفسه بمياه أخرى

28 مايو 2015/ قال هيرقليس: “إنك لا تسبح في مياه النهر مرتين، لأن مياهاً جديدة تجري من حولك”. ومياه النهر تجري من حولنا الآن في كل مكان، لكنها لا تتكرر، ففي كل مرة، نجد أننا نسبح في النهر نفسه، لكن بمياه جديدة وهواء جديد، على الرغم من أن المكان لم يتغيّر.

سبحت اليوم (يوم كتابتي هذا المقال)، في النهر نفسه مرتين، لكن، بمياه جديدة في كل مرة، أما النهر فقد كان نهر الكتابة، وكانت المياه مياه الكلمات.

أفضّل، عادةً، استخدام جهاز الكمبيوتر المكتبي لكتابة مقالاتي مباشرة، أي من دون اللجوء للورقة والقلم اللذيْن هجرتهما، بشكل كامل تقريباً، منذ نحو عشرين عاماً. لكنني أضطر، أحياناً، للجوء إلى “الآيباد” لكتابة المقالات، إذا كنت على سفر، كما يحدث لي هذه الأيام، حيث شرعت بكتابة مقالة هذا الأسبوع لـ”العربي الجديد” به، وعندما أوشكت على الانتهاء منها اختفت، بغلطة مني، تماماً. ولم يتبق منها سوى العنوان الذي لم أكن قد كتبته بعد أصلاً؛ “الإنسانية على طريقة إنجلينا”. بقي العنوان في رأسي محشوراً بين تفاصيل الصداع والذكريات، أما تفاصيل المقال المكتوب على شاشة “الآيباد” فقد ضاعت فعلاً، وكلما أقنعت نفسي بإعادة كتابتها تتشتت أفكاري. يحدث لي هذا دائماً للأسف، حيث التهمت أجهزتي الإلكترونية المتعددة كثيراً من قصائدي ومقالاتي وتغريداتي ورسائلي، وأزعم، بقليل من الغرور، أن ما ضاع في بطون تلك الأجهزة من كتاباتي أجمل ممّا تبقّى! وفي كل مرة كنت أحاول فيها استرجاع ما ضاع أعود بالفشل ومزيد من الصداع والذكريات ونص جديد لا يشبه النص الضائع من بعيد أو قريب.

هذا ما حدث قبل قليل، مجدداً، فبعدما يئست من استعادة المقال الضائع بالطرق التقنية التي أعرفها حاولت إعادة كتابته.

شعرت بالإرهاق، وأنا أقوم بالمهمة الصعبة في مجال الكتابة، وهي مطاردة الأفكار الشاردة والكلمات المنسية فوراً، على الرغم من عدم مرور وقت طويل على كتابتها واختفائها. وتشير صعوبة مثل هذه المهمة إلى واحدة من منغصات الكتابة لممارسها بشكل دوري، أو شبه دوري. وأنا أمارس الكتابة الصحافية بمثل هذا المعدل فعلاً، ولم أشعر بصعوبة في الكتابة، طوال عملي الذي يزيد على ربع قرن، أشد من صعوبة محاولة استرجاع فكرة تائهة أو كلمة منسية أو مقال أوشك كاتبه على إنهائه، قبل أن يذهب إلى مجهول الانترنت.

أعرف تماماً الفكرة التي كتبتها في مقالي الضائع، وأكاد أتذكّر تعبيرات ومفردات وصور ومعلومات استخدمتها وأنا أكتب، لكن المقالة نفسها نسيتها، فقد ذهبت مع ريح النسيان.

بعد عدد من المحاولات لإعادة كتابة الموضوع، يسرني أن أعلن فشلي الذريع، ففي كل جملة جديدة أكتبها أحاول تذكر الجملة القديمة للمعنى نفسه، فتكون النتيجة جملة ثالثة لا معنى لها، سرعان ما أمحوها لأبدأ من جديد، وهكذا أمضيت نحو ساعتين في كتابة مقال لا يأخذ مني عادة أكثر من نصف ساعة، بلا نتيجة مرضية.

أمور كثيرة في الحياة نتصرف حيالها بمنطق السباحة نفسه في النهر الجاري، والذي لا تتكرر مياهه مرتين، ويكون الفشل نصيبنا دائماً؛ علاقات تموت فنحاول إحياءها، ذكريات تختفي فنحاول إعادتها، حكايات تتلاشى فنحاول استعادتها، مواقف تنتهي فنحاول إرجاعها. إلخ، والغريب أن فشلنا المتكرر في كل تلك المحاولات لا يمنعنا من إعادة المحاولة دائماً. هل هو الأمل؟ أم الخوف من النفس اللوامة، فنتحضّر لمحاسبتها، بحجة أننا فعلنا ما نستطيع فنعذر؟

ربما.. ها أنذا أفعلها من جديد بالمنطق والحجة نفسيهما، وأفشل أيضاً، وبدلاً من كتابة مقال عنوانه “الإنسانية على طريقة إنجلينا”، كتبت مقالة عنوانها “النهر نفسه بمياه أخرى”.

عن Saadiah

شاهد أيضاً

لوحة لبيكاسو

فيزياء الكتابة الروائية

ما الذي يمكن أن نسميه هوية النص الروائي، من بين عناصر بناء الرواية التقليدية كلها؟ …

تعليق واحد

  1. هذا يحصل معي مؤلم بس علاجه في أمرين :
    – اما عمل ملف للمقال فبل الشروع في كتابته وبعد كل عدة سطور عمل حفظ وهكذا ..
    – أو الكتابة في شاشة الجوال ولو أنه متعبها لصغر الشاشة ، لأنها تتميز بخاصية لاتوجد في جهازي الكمبيوتر والإيباد ، الخاصة هي عندما تختفي الكتابة ماعليك الأ أن ترج الجوال يمينا ويسارا عدة مرات ثم تطلع لك عبار استرجاع الكلام وتوافق على الاسترجاع فيرجع كل ماكتبت ، وللمعلومية هذه الخاصية لازم أن تستفيد منها قبل مضيء أكثر من ١٥ دقيقة على على اختفاء المادة المكتوبة .
    يحيى المحيريق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *