الرئيسية / مقالاتي / “حوارات”.. ليست كالحوارات

“حوارات”.. ليست كالحوارات

لا أدري لماذا نصرّ على تسمية النقاشات الساخنة بشأن أمور مختلفة، والتي تدلقها علينا محطات التلفزيون الفضائية بالحوارات، على الرغم من أنها لا تمتّ لفن الحوار سوى بصلة الجلوس إلى مائدة مشتركة، والكلام والكلام والكلام، ولا شيء غير الكلام الكبير والشعارات الجاهزة والمحفوظات القديمة، على الرغم من اجتهاد من يردّدها في لباسها الجديد.
كلام إذاً، مجرّد كلام يعلو ويهبط، يطول ويقصر، لكنه لا يحاور لأنه لا يتحاور، ولا يسمع لأنه لا يستمع، ولا ينتهي إلى شيء لأنه لا يبدأ من شيء، ولا يصل لأنه لا يريد أن يصل بقدر ما يريد أن ينطلق، ولا يفيد لأنه لا يستفيد أصلا. كل ما في الأمر مذيعٌ يتوسط اثنين من الضيوف “المثقفين”، وقضيةٌ لا ينبغي أن تكون مهمةً بالضرورة، ولا يهم إن كانت صالحةً للتحاور التلفزيوني أم لا. لكن المهم، وربما كل ما هو مهم، هو الكلام الذي ينبغي أن يدلقه الاثنان “المثقفان” باتجاهين مختلفين، تساعد في اختلافهما تدخلات المذيع المتحفز لسكب زيت الكلام على نار ما ينبغي أن يكون حوارا. والنتيجة لا شيء طبعا سوى مزيدٍ من الخلاف الذي لا ينبع من مجرد الاختلاف، بل يتعدّاه إلى دلالاتٍ مختلفةٍ من التحدّي والرغبة في إثبات الوجود التلفزيوني ليس عبر الحجج، المتشابهة غالبا في شكلها ومنطلقاتها، والمختلفة بالتأكيد في طريقة ومدى توظيفها فكرة معينة معروضة، ولكن عبر الصوت العالي والألفاظ الشائنة والشتائم، وأحيانا يتطور الأمر إلى تشابك بالأيدي، وتبادل للضرب باستخدام كل ما تطاله الأيدي من ميكرفونات وكراس وطاولات.
وهكذا تبدأ تلك “الحوارات” التلفزيونية.. وهكذا تنتهي أيضا.. لا غالب سوى مقدّم البرنامج الذي يحرص على مزيدٍ من الإثارة والمشاهدات العالية لبرنامجه، بغض النظر عن القيمة، ولا مغلوب سوى المشاهد المسكين الذي ساقه حظّه العاثر للتسمّر أمام الشاشة، بعيدا عن جهاز التحكّم عن بعد.
وما بين البداية والنهاية يهدر، بإصرار سابق وترصّد مدروس، كثيرٌ من قيم الحوار الحقيقي الذي لا أحد يسأل عنه أن يحاول البحث عن شيءٍ يصلح أن يُنسب إليه، خصوصا وأن أحدا من المشاركين في هذه الحوارات غير مستعد أبدا لأن يغير رأيه، أو قناعاته الجاهزة، وهو لا “يحاور” في سبيل الوصول إلى الحقيقة، أو حتى الاقتراب منها. ولكن في سبيل دفع الآخرين، سواء المشتركين معه في الحوار أو الشهود عليه، إلى الإيمان بما يعتقده هو بأنه الحقيقة الأولى والأخيرة.
إنه “يحاور” في سبيل أن يثبت أنه هو فقط من يملك الحقيقة، وليس على الآخرين سوى تصديقه، بدلا من محاولتهم استدراجه نحو ما يعتقدون أنه الحقيقة.
مسكينة أيتها الحقيقة المتنازع عليها، من دون أن يكون لها وجود بالضرورة على منصّة حوار بين اثنين من المثقفين التلفزيونيين، يسير في اتجاه واحد، هو اتجاه الأعلى صوتا والأكثر حضورا، على الصعيد التلفزيوني، والأكثر مشاكسةً والأكثر قدرةً على مواصلة الكلام الخالي من الكلام. على الرغم من احتجاجات الآخر، بانتظار دوره، واعتراضات المذيع المصطنعة، ومواعيد مواجيز الأنباء ونشرات الأخبار والوقفات الإعلانية الكثيرة.
الغريب أن هذا النوع من الحوارات التلفزيونية التي ظهرت مع بدايات البث الفضائي العربي ما زال، وبعد مرور ربع قرن تقريبا، هو السائد، وهو المفضل، وهو الذي يحقق أعلى نسب المشاهدة لسوء الحظ.

 

(العربي الجديد 14 فبراير 2019)

عن Saadiah

شاهد أيضاً

لوحة للفنان سلفادور دالي

نلاحظ.. ونرصد.. ونستغرب

لماذا لم نعد نسمع بتيارات شعرية أو قصصية أو روائية، كما كنا نفعل في الماضي؟ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *