الرئيسية / مقالاتي / خدعة التاريخ في “مدن الملح”.. ثانيةً

خدعة التاريخ في “مدن الملح”.. ثانيةً

ما زلتُ في سياق القراءة الجديدة لخماسية عبد الرحمن منيف “مدن الملح”، بعد عرض حلقة تاريخية ونقدية مميزة عنها في برنامج “خارج النص” على قناة الجزيرة أخيرا، أثار عدة تساؤلات بشأن هذه الرواية بأجزائها الخمسة، منها ما يتعلق برؤية بعض من قرأوها، ورأوا أنها اشتملت على مغالطاتٍ تاريخية كبيرة، وأن منيف، وعلى الرغم من أنه تميز روائيا، إلا أنه أخفق مؤرخا، حيث أظهر سكان المنطقة بدائيين جدا، ولم يعرفوا أيا من أشكال الحضارة قبل الثروة النفطية وبعدها بسنوات. وهذه وجهة نظر رائجة جدا منذ صدور الرواية، وهي تعيدنا إلى ما جاءت عليه المقالة السابقة، أن الرواية ليست تاريخا، حتى لو كان موضوعها التاريخ، وبالتالي سنظلم الروائي لو حاكمنا نصه الروائي كما يُحاكم النص التاريخي. وفي هذه الحالة، علينا أن نطالبه بالإحالات الحقيقية والمراجع والإشارات والأسماء والتواريخ. هذا طبعا غير منطقي، وغير معقول، بالنسبة لرواية وروائي.
على سبيل المثال، نظر منيف (الروائي) إلى أهل الجزيرة العربية، قبل ظهور النفط تحديدا، بما يشبه نظرة المستشرقين، أو حتى العرب من خارج الجزيرة العربية، والذين كانوا لا يرون في هذه الجزيرة سوى الرمال المتحرّكة، والتي لا تسمح للبشر فيها وحولها بالثبات والبناء والعطاء، وهذه نظرةٌ تُقبل في الرؤية الروائية بسهولة، ولكن من الصعب توثيقها، أو قبولها تاريخيا، أو واقعيا. ويصدق هذا أيضا في رؤيتنا لتصوير منيف شخصيات روايته من خارج الجزيرة العربية، وخصوصا الشخصيات العربية (اللبنانية والسورية تحديدا)، فهو، في النهاية، كاتب العمل ومبتدع الشخصيات، ومن حقه أن يرسمها كما يشاء. وليس علينا أن نحاكمه تلك المحاكمات العنصرية الأيديولوجية التي تستند إلى معطياتٍ جديدة في سياق ما يجري في دول الخليج والجزيرة العربية خلال السنوات القليلة الأخيرة، فهذا اعتسافٌ حقيقيٌّ لفهم الشخصيات العربية في أجزاء “مدن الملح” ككل، فشخصية مثل المحملجي، انتهازيتها الملحوظة مبرّرة فنيا تماما، بغض النظر عن جنسيتها، وفي كلٍّ من أجزاء الرواية، يشعر القارئ بالأسى الحقيقي تجاه ما حل بهذه الشخصية في النهايات.
وعلى الرغم من سهولة البحث عن تقاطعاتٍ وتشابهات بين الرواية والتاريخ الحقيقي، إلا أن ذلك لا يبدو مهما أبدا، ولا أعرف أسباب الانشغال به، ما دامت الكتب التاريخية قد تحدثت عن الأمر بوضوح وبالأسماء، فلماذا يختبئ كاتب حر، بحجم منيف وبظروفه وظروف معيشته خارج وطنه طوال عمره، ليقدم لنا التاريخ بهذا الشكل المبتسر؟ من حقه أن يستخدم التاريخ أرضية لعمله، ومن حقه أيضا أن يستدعي بعض شخصيات عمله الروائي، أو حتى كلها، من ذلك التاريخ كما هي، أو بإضافة بعض الرتوش الفنية عليها، أو بعد إعادة إنتاجها، كل هذا من حقه الخالص ككاتب بالتأكيد.. ولكن هذا، مرة أخرى، لا يعني أنه مؤرّخ، ولا تنبغي قراءة رواياته، سواء أكانت خماسية “مدن الملح” أم غيرها من رواياتٍ مستمدة من عمق التاريخ المعاصر على أنها تاريخ أو توثيق، وهذا ينطبق على غيره من الروائيين أيضا.
لقد آن الأوان لتناول الأعمال الأدبية والفنية لاعتباراتها الأدبية والفنية أولا وأخيرا، بدلا من البحث في بطونها عن مغاز أخرى، يمكن أن نجدها في كتب مخصّصة لذلك، فالغاية الجمالية نبيلة جدا، وتستحق أن تكون الهدف الأول، وربما الأخير، للروائي والفنان.

(العربي الجديد/4 يوليو 2019)

 

عن Saadiah

شاهد أيضاً

لوحة للفنان سلفادور دالي

نلاحظ.. ونرصد.. ونستغرب

لماذا لم نعد نسمع بتيارات شعرية أو قصصية أو روائية، كما كنا نفعل في الماضي؟ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *