الرئيسية / مقالاتي / سيفعلها الصغار

سيفعلها الصغار

ما كنت أعتقد أن قضية فلسطين التي تربينا على أن تكون قضيتنا الأولى، وربما الوحيدة، ما زالت متغلغلة في الوجدان العربي الجمعي، قبل أن أحظى بفرصة حضور حفل سنوي تقيمه إحدى المدارس المتميزة في الكويت، بمناسبة اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني.
قبل أيام، حضرت الحفل للسنة الثانية على التوالي، ففوجئت بأنه ليس مجرد حفل مدرسي معتاد، بل قيمة عظيمة تزرعها مدرسة روض الصالحين في نفوس تلاميذها وطلابها منذ صفوف رياض الأطفال وحتى صفوف المرحلة الثانوية. أغنيات وأناشيد وخطب ومقاطع مسرحية وتمثيلية ورسائل مصوّرة ومعارض تشكيلية وفوتوغرافية، وفعاليات أخرى كثيرة، امتدت على مدى أربع ساعات كاملة مستغرقة اليوم الدراسي كله تقريبا.
عندما دخلت إلى المدرسة تلبية لدعوة تلقيتها من الإدارة، كان الوقت وقت الفرصة بين الحصص، ففوجئت بكل الطالبات، ومن مختلف الصفوف والأعمار، وهن يرتدين الأزياء الفلسطينية، ومن لم ترتد زيا فلسطينيا وضعت الكوفية المميزة. وهكذا في القسم المخصص للبنين أيضا. وقد تضاعف عجبي وإعجابي، عندما علمت أن أغلبية طلاب تلك المدرسة وطالباتها هم من الكويتيين والكويتيات، ولا يشكل الفلسطينيون منهم إلا نسبة قليلة جدا. وهذا يعني أن اليوم كان كويتيا بنكهة فلسطينية كاملة وشاملة. استقبلتني، ومن معي، فتيات صغيرات بأنشودة ترحيبية حماسية باللهجة الفلسطينية. وعندما بدأ الحفل، كان شعوري قد اكتمل بأنني في قطعة من فلسطين، فكل المشاركين من الصغار والكبار يعرفون تفاصيل التفاصيل في الصراع العربي الفلسطيني، خصوصا أن المدرسة، كما يبدو، تشجع تلك الثقافة في نفوسهم لربطهم بها، ولأنها المدخل الحقيقي نحو الاعتزاز بقيمة الأمة والاعتداد بها ككل.
تذكّرت، وأنا أتابع فقرات الحفل الكبير الذي أقيم تحت شعار “لفلسطين الحياة ولقدسنا النجاة والربيع”، الزمن القديم الذي كنا فيه نحتفل بكل مناسبات فلسطين في مدارسنا وخارجها، وكنت أظن أنه زمن ولّى، لولا أنني عشته من جديد بريقا في أعين الصغار، وحماسة تحت أقدامهم، وهي تؤدي الدبكة الفلسطينية على خشبة المسرح. تعزّز إحساسي بالأمل تجاه مستقبل قضية فلسطين وغيرها من قضايانا الملحة، وأنا أرى الطلاب والطالبات، وخصوصا في صفوف المرحلة الثانوية، وهم يتناقشون حولها ويتبادلون المعلومات والآراء بمنتهى الجرأة والوعي، والعزيمة والإصرار، منتقدين انسياق بعض الكبار حولنا في كل مكان هذه الأيام للأسف، إلى وحل التطبيع، سواء كان ذلك بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر، خصوصا أن حفل هذا العام قد ركّز كثيرا على التوعية بخطر التطبيع، وبما يتناسب وسياسة الكويت الواضحة والمعلنة دائما تجاه قضية فلسطين وقضية التطبيع مع العدو الصهيوني تحديدا.
لا أدري إن كانت مدرسة روض الصالحين هي المدرسة العربية الوحيدة التي ما زالت تحتفل باليوم العالمي للتضامن مع فلسطين أم لا، لكن نجاحها في تخريج أجيال مؤمنة بالقضية إلى هذا الحد، وبشكل ينمّي أيضا قدرات هذه الأجيال على النقاش والقراءة والتفكير والاطلاع والبحث والابتكار وصقل المواهب المختلفة في الكتابة والخطابة والغناء والتمثيل، لا بد أن يغري الآخرين بتمثّل التجربة وتعميمها. فإذا كان جيلي والأجيال السابقة له قد أصيبت بخيبة أمل وخذلان من بلوغ الغاية بشكلٍ لا علاج له، فلنعد آمالنا إذن بالأجيال الجديدة .. وهي قادرة فعلا، فما لم يفعله الكبار يوما.. قد يفعله الصغار!
( العربي الجديد/5 ديسمبر 2019)

عن Saadiah

شاهد أيضاً

جنّة الكتابة ونار الآخرين

“عندما يكتب نجيب محفوظ يدير ظهره للعالم، لا يعبأ بشيء”.. وردت هذه العبارة في مقدّمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *