الرئيسية / ماء الحوار / الروائي الجزائري الطاهر وطار لـ «القبس»: المثقفون الجزائريون انتحروا ولم يغتالوا

الروائي الجزائري الطاهر وطار لـ «القبس»: المثقفون الجزائريون انتحروا ولم يغتالوا

سعدية مفرح:

منذ صدور روايته الأولى، اللاز، اصبح الروائي الجزائري الطاهر وطار يمثل خيطا متفردا في مجمل النسيج الروائي العربي بشكل خاص والنسيج الثقافي والرواني الجزائري بشكل أكثر وضوحا وخصوصية .

اما بعد توالي صدور رواياته الأخرى : الزلزال ، الحوات والقصر ، عرس بغل ، العشق والموت في الزمن الحراشي ، تجربة في العشق ، فقد كان الطاهر وطار قد تكرس بالفعل مناضلا على أكثر من صعيد : روائيا وثقافيا وفكريا .

في لقائنا معه والذي خططنا له أن يكون خالصا لوجه الثقافة والادب كان الوضع الراهن في الجزائر يضغط على عصب الحديث منذ البداية مما جعل ما يحدث هناك الآن يخيم على أجواء هذا اللقاء خاصة وان للطاهر وطار أراء قد تبدو غريبة فهو عندما يتحدث عن التيارات الاصولية في الجزائر يجد لها الكثير من المبررات . اما عمليات اغتيال المثقفين هناك فهو يرى انها عمليات انتحار قام بها هؤلاء المثقفون بانفسهم ، نسأله :

 

*كيف ؟!

ـ فيقول : أن هؤلاء المثقفين يتبنون وجهة نظر . السلطة نفسها بل هم من شجعها على التدخل لتوقيف مسار المجتمع المدني ، وبعد الغاء الانتخابات الاشتراعية في الجزائر استساغ بعضهم أن يكون عضوا في المجلس الاستشاري الذي عين محل البرلمان المنتخب بعد حله . ثم بدلا من اتخاذ الحيطة والحذر ازاء كل ذلك نجدهم يستخفون بالامر فكان ان استخدمتهم السلطة التي ارتموا في احضانها وقودا لحربها مع الاصوليين

 

*نقرأ بعض مقولاتك حول الاحداث الراهنة في الجزائر فتبدو وكانها تحمل بين طياتها تبريرا معينا لما يحدث من قبل الجماعات الإسلامية هناك ؟

 

ـالمد الاسلامي في الجزائر لا يخص الجزائر وحدها ولكنه يشمل العالم بأسره، موجات التطرف تجرف ما أمامها في كل دول العالم وليس الجزائر فقط أو العالم العربي والاسلامي وحده.

 

*ولكن الحركات الاسلامية في الجزائر لها خصوصية خاصة جدا بها وحدها.

ـ التيارات الدينية جاءت كرد فعل عنيف وقوي من المشعب البسيط الذي ما زال يتمسك بهويته العربية والإسلامية تجاه الدعوات التي تبدو وكانها عودة بها الى الوراء وبشكل يبدو معه اصحاب هذه الدعوات وكانهم يمثلون شكلا من اشكال الاستعمار القديم . وقد جاءت هذه التيارات الدينية للرد على فعل التفرنس وعمليات النسخ التي كانت وما زالت تتعرض لها الشخصية الجزائرية ذات البعد الحضاري العربي والاسلامي من قبل مجموعة من ذوي الثقافة الفرنسية التي سيطرت على مقاليد الأمور في الجزائر منذ العام ١٩٦٢ وكانها جاءت لتحل محل الاستعمار الفرنسي وبدلا من ان تندمج في الشخصية الجزائرية وتنسجم مع الشعب انكفات على نفسها وابتعدت كثيرا جدا عن الهم الشعبي مما جعل الهوة تتسع بينهم وبين المواطنين العاديين وكانت النتيجة الحتمية انه لم يعد هناك مجال للتفاهم بين الاثنين اعود لاقول ان هذه الظاهرة ظاهرة عالمية ولا تخص العالم العربي والاسلامي وحده ولا تخص الجزائر وحدها.

هناك أزمة عالمية، وحتى بعد التحولات الخطيرة في المعسكر الاشتراكي السابق وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي وغيره من البلدان الاشتراكية هناك الكثير من الدلائل القاطعة على ان الراسمالية ليست حلا لجميع اشكالها . والناس الآن يعرفون الازمة في اميركا ، ويعرفون الازمة في اليابان وايضا في كامل أوروبا وكامل آسيا والناس الآن يبحثون عن حلول مجدية . وهي اشبه ما تكون بسمك السلمون الذي يصعد من المحيطات ويشق البحار والوديان حتى يعود الى نبع ما مجذوبا له بغداءات مغناطيسية كي يتجه وبعد أن يموت نصفه تقريبا في هذا الطريق الطويل.

اذن نحن لا نستطيع ان نلوم هؤلاء الناس الذين يتلقون مثل هذا النداء من ماضيهم ، من نبعهم فنحكم عليهم بانهم مخطئون من خلال اي منطق نحكم عليهم بهذا يا ترى ؟!

 

*هل هي أزمة البحث عن الهوية في الجزائر ؟

ـ هذا صحيح . ولكن عموما ومن خلال استقراء نتائج الرأي العام نقول أن هوية الجزائر هوية عربية واسلامية بلا ادنى شك. من ناحية أخرى هي ازمة قطيعة أو انقطاع للجسور بين النخبة المثقفة وبين المجتمعات والجماهير الشعبية .

هذا ليس في الجزائر وحدها ولكننا نرصده في مصر وفي سوريا وفي تونس وفي كل مكان ، وكما لو أن الخطاب التنويري الذي جاعنا أو الذي تبنيناه حملنا بعيدا عن مجتمعنا وجعلنا نخطو خطوات واسعة أو هي أكثر سعة من الخطوات التي خطاها مجتمعنا ، أو كما لو أن مجتمعنا توقف عن متابعتنا توقف عن اتباع طه حسين والعقاد وغيرهما من تلك المجموعة الرائدة ونحن لم ننتبه لذلك فاصبح هذا المجتمع ينظر اليوم للمثقف على انه الوجه الثاني للسيده والمسيد في نظره هو الاستعمار احيانا وهو السلطة التي حلت محل الاستعمار القديم احيانا أخرى خاصة اذا كانت هذه السلطة تمارس نفس ما كان يمارسه الاستعمار ، وهذه السلطة محكومة بالمثقفين ، ولذلك نجد حتى المثقف الموجود في السجن الآن نجده في نظر المجتمع مجرد سلطة او انه سيتحول الى رمز للسلطة في الغد.

وهذا خطير جدا ، والناتج عنه المزيد من التمزق والمزيد من الياس الذي يدفع بالكثير من المجتمعات الى ان تقتل مثقفيها أو الى ان تتبرا منهم ولا يجد هؤلاء المستقفون ارضية ينبتون فيها . وهذا ما دفعني الى التساؤل هذه الايام عن الجدوى الحقيقية لما اكتبه وما يكتبه غيري من ابداع وهل يستحق ما نكتبه النشر بالفعل ، وهل هو يمثل هؤلاء الناس بالفعل ؟.

وحتى نخفف حدة هذه الازمة أو الصورة يبدو لي الانفصال ليس فقط في مجتمعاتنا العربية والاسلامية هناك الكثير من النخب في أوروبا انفصلت عن مجتمعاتها ولربما كانت في اوروبا مدفوعة في ظل الحرب الايديولوجية إلى أن تنفصل عن مجتمعاتها وتتخلى عنها

 

*في ظل ذلك ومن خلال رصدك لكل هذه المعطيات ترى أي خطاب يقود الآخر هل هو الخطاب السياسي؟ ام الثقافي ؟ هل السياسة الآن هي منتجة من قبل المثقف ام العكس هو الصحيح ؟

 

ـ ينبغي ان لا ننسى اولا واقعنا ولا ماضينا ، فنحن نرى ومنذ الخمسينات ان كل النظم السياسية الحاكمة في العالم العربي تعادي مثقفيها وهذه مسلمات ، والمنقف الذي ليس في السجن فهو موجود تحت الرقابة وتحت مجهر السلطة او تحت ظروف خاصة به .

والسلطات الآن تدفع ثمن هذا ، كما ينبغي لنا ان نعترف انه في اطار الحرب الايديولوجية ضد ما كان يخيف واعني به الشيوعية نجد ان النظم الاسلامية والعربية وبالتعاون مع مؤسسات الحكم الرأسمالي في العالم الغربي عملت على تنمية التيارات الاسلامية والدينية . لقد سلحتها في اماكن كثيرة واعطتها جميع الفرص كي تخلق نوعا من التوازن السياسي والثقافي . ونحن الآن نحصد ما زرعته هذه النظم طوال هذه الفترة الزمنية . وها هو العفريت يخرج الآن من القمقم لخنق هذه السلطات

واغرب ما في الأمر أن تجدي ضحايا ومضطهدي الامس والذين كانوا لاجئين ، ايام السادات مثلا، في باريس وهم جوعي ، محروسين الآن من قبل شرطة النظم ، ويتخذون من جلاديهم حلفاء لهم ضد الإسلاميين ، الذين هم جزء من الشعب ولكنهم يملكون وجهة نظر اخرى .

احيانا كثيرة اقول ان هذه الظاهرة الدينية تمثل نوعا من تناسخ الروح للعدالة والتطلع الانسان للعدالة الاجتماعية ، وبشكل ما نستطيع القول ان الانسان يلجأ اخيرا الى الدين للخلاص . واعتقد ان هذا من حق الناس ويجب على المثقفين وعلى رجال السلطة ان يعرفوا حقيقة هذه الظاهرة ويبحثوا في اسبابها

 

*تردد دائما ، رغم فهمك كما يبدو الحقيقة ظاهرة التيار الأصولي انه سينتهي كتيار خلال عشر سنوات هل هذا استشراف الأفاق المستقبل ؟ ام انه امنية؟ أم مجرد توقع ؟

 

ـ نعم لأن التاريخ لا يعود الى الوراء ، وان البشرية الآن تتوجه نحو الوحدة بشكل او باخر هذا هو قدر الانسانية ، وهو شيء ايجابي وتقدمي، فكل تجمع للناس او وحدة بينهم تمثل شيئا ايجابيا ، وظاهرة التطرف في العالم ليس التطرف الإسلامي فقط وانما التطرف العالمي بشكل عام سواء اكان تطرفا اسلاميا ام مسيحيا او يهوديا ام نازيا هو اشبه بما نسميه برقصة الديك المذبوح ، الرقصة الأخيرة قبل الموت ، انها ظاهرة التطرف هي آخر انتفاضة يمكن ان تحدث.  فنحن لا يمكننا ابدا العودة الى الوراء ، ولا يمكن أن نوقف الطائرات ولا الهوائيات ولا اجهزة الفاكس ولا التلفزيون ولا غيرها من اجهزة تكنولوجية حديثة ساعدت على تضييق المسافات سيتلاءم الناس ، وستجد المجتمعات شكلا جديدا من تلاؤم شخصياتها الثقافية والحضارية مع الوضعية البشرية ، الجديدة . وهذا ما اقصده بقولي ان هذه الظاهرة ستنتهي وسيزول كل هذا التعصب وسيخلق شكل جديد من التوازن للبشرية بين البوذي والعبري والمسلم والمسيحي والذي لا دين له وهذا هو قدرنا ، نعم سندفع ثمنا باهظا ولكننا في النهاية سنتوحد كبشر.

 

*عندما نتذكر أزمة الخليج نستذكر موقف الجزائر كسلطة وكشعب مما حدث ، ونتذكر موقفك الشخصي الشجاع والذي جاء عكس ما كان سائدا انذاك في الجزائر … لا نريد ان نلوم الان بقدر ما نريد أن نفهم حقيقة ما حدث ، وما هي دوافعه ومسبباته ؟

 

ـ في الحقيقة كان في الجزائر موقفان تجاه ازمة الخليج أولهما موقف الجماهير الشعبية وهو موقف عنيف وقوي ، أما الموقف الثاني فهو موقف السلطة الجزائرية، والسلطة في الجزائر لم تكن مع العراق على الاطلاق ، لا اقول ذلك دفاعا عن السلطة فانا رجل طوال عمري كنت خارج السلطة صحيح ان السلطة لم تستطع ان تتحدى الناس وتعلن عن صريح موقفها ، ولكنها ممارسة كانت ضد الغزو العراقي للكويت بل انها وككل سلطة كانت محرجة من استيلاء رجل اسمه صدام حسين على الشارع الجزائري بحركة بهلوانية، اما انا فقد كان موقفي موقفا مبدئيا. لقد كنت ، ومنذ سنوات طويلة ، ادعى الى المربد في العراق فلا اذهب . أقول لهم ما دام سعدي يوسف مازال في الخارج وما دام غالبا طعمة فرمان وما دستم تقتلون المثقفين فلا اسمح لنفسي بان ازور هذا البلد . كما ان موقفي كان موقفا علميا لم اكن اتصور ان ينتصر احمد في حرب على تحالف دول عظمي وهو لا يصنع الخرطوش : نحن عشنا الحرب العالمية الثانية ونعرف ما هي الحرب ونعرف ان المانيا وهي أول من استعمل الطيران في الحرب البرية ونعرف ان معها اليابان صانعة حاملة الطائرات ومعهما ايطاليا ويوغسلافيا وغيرها ومع كل ذلك انهزمت فكيف ياتي عربي متخلف يأتي لكي يتحدى العالم كافة؟

وموقفي استند ايضا علي انني لا اقبل هذه الوحدة بالعنف ، ولا هذا الاستيلاء بالعنف . لقد أيدت ومازلت اؤيد شعب الصحراء الغربية الصغيرة في حقه في الاستفتاء ، فكيف اقبل اذن أن يبتلى الكويت بهذه البساطة وان يلغى علمه ويلغى دستوره ؟

 

*هل عانيت على الصعيد الشخصي في الجزائر من جراء اعلانك لهذا الموقف ؟

 

ـ نعم ، وكثيرا جدا ، من قبل فئات مختلفة وحتى على صعيد عملي كرئيس للاذاعة الجزائرية انذاك واجهت الكثير من التحديات من قبل العاملين معي ومن قبل الصحافيين الذين كانوا يتبنون وجهة النظر العراقية كنت اقول ان هذا لا يجوز اعلاميا على الاقل فيجب ان يكون الخبر الاذاعي أو الصحفي متزمتا وصادقا بغض النظر عن عواطفنا تجاهه ونتيجة لذلك اصطدمت ومنذ اليوم الأول للحرب مع رئيس تحرير القناة الأولى في الاذاعة مما جعلني اعزله من العمل وقلت له اما ان تكون موضوعيا او لا تكون

وهكذا ، في النهاية كل الناس قالوا لي لقد كنت على حق.

 

*الآن نقترب قليلا من عالمك الروائي : في رواية – عرس بغل ، ومن خلال رسمك لشخصية الحاج كيان عبرت عن الشخصية العربية المثقفة ثقافة تقليدية تحاول بها تغيير السائد دون الاتكاء علي اية اسس علمية او موضوعية ، لقد كانت شخصية حالمة وشفيفة وتتفق في كثير من معالمها مع شخصية الزعيم جمال عبد الناصر؟

 

ـ هذا صحيح ، وربما ايضا على هواري بومدين

 

*وربما أيضا على الطاهر وطار شخصيا ؟!

ـ ايضا هذا صحيح وعلى ما يجري حاليا

 

*الى ماذا انتهت او تنتهي هذه الشخصية وما هو دورها حاليا فيما يحدث؟

ـ انها تعمل في الظلام، نحن نعرف أن الرواية انتهت باطفاء الضوء وظل كل شخوص الرواية في المكان . لقد مارسوا طوال الرواية وجودهم بضغط من الواقع ومن القيم والمثل ومن الرصيد الثقافي ، ووصل بهم الأمر الى حد المازق والحل هو انطفاء الضوء ولا ادري ماذا سيحدث عندما يشتعل الضوء ثانية.

 

*في عرس بغل ، رجعت الى التراث العربي الإسلامي في استلهامك لشكل الرواية ، في الحوات والقصر كنت اقرب الى الاجواء الغرائبية أو الاسطورية ، والكثيرون من الروائيين العرب المعاصرين يشاركونك في استلهام التراث وهو بصدد اختيار شكل رواياتهم مثل جمال الغيطاني واميل حبيبي وربما صنع الله ابراهيم . هل تمثل تلك العودة عجزا ام عدم ثقة بالشكل المعاصر للرواية بمفهومها الغربي؟

ـ منذ مطلع السبعينات شعرنا نحن الروائيين بضيق من الشكل الأوروبي أو الغربي المحض للرواية ، فرحنا نبحث عن ذواتنا وعلى الصعيد الشخصي كنت دائما احس بسعة المسافة بيني وبين المجتمع . انا لا تكفيني النخبة لقراءتي . انها قليلة علي وهي قليلة مثلا على نجيب محفوظ، قليل عليه ان تطبع كتبه في مصر بثلاثة آلاف نسخة او حتى بثلاثين الفا.

ان هذه الاشكالية بين رواية نكتبها وشعر نكتبه ومسرح تنجزه وبين الناس عانينا منها لاننا شعرنا بها اولا شعرنا بها بحسنا الابداعي الذي لا يملكه المنظرون الايديولوجيون ولا السياسيون ولذلك انفصلوا كلية عن الجماهير اما نحن فعلى الأقل ما زلنا نحاول ان نجد الشكل الخاص بنا .

وانا رفضت الشكل الغربي الغربي للرواية ابتداء من الحوات والقصر ، ورحت اضع شكلا خاصا بي.

وفي رواية تجربة في العشق، رفضت كل الاشكال السابقة حتى الاشكال الخاصة بي انا.

واريد ان اقول ان هناك مجموعة من الروائيين العرب مثل الطاهر وطار وصنع الله ابراهيم وجمال الغيطاني واميل حبيبي رفضوا الشكل التقليدي وراحوا يبحثون عن أشكال اخرى من التراث البعض ظل اسيرا لشكل واحد وجده وظل يتكرر عبره ، أما أنا فأخضع لجدلية العلاقة بين الشكل والمضمون فلا اضع شكلا مسبقا ولا القيد نفسي بشكل محدد كقالب اصب فيه رواياتي.

 

*منذ اللاز والعشق والموت في الزمن الحراشي والشهداء يعودون هذا الاسبوع كنت تؤرخ المراحل زمنية في تاريخ الجزائر هل تعتقد ان الروائي عليه أن يؤرخ بدلا من استشراف افاق المستقبل ؟ ام ترى انني على خطأ في رصدي هذا ؟

 

ـ لا ابدا لست على خطا بل معك كل الحق انا اؤرخ لانني اريد ذلك ولكنني اعبر عن واقع تواجدت فيه وكنت شاهدا عليه و هذا من واجبي ومن حقي كما يبدو لي نني ارخت من موقف مستقبلي، وفي كل رواياتي اضع نفسي في المستقبل وفي الحلم.

 

*من بين كل رواياتك العديدة انا شخصيا متحيزة لرواية الحوات والقصر لانها امتازت بدرجة عالية من الامتاع الفني الذي تحقق من خلال تميز النص اللغوي بجماليات مبهرة ومبهجة ….

 

ـ نعم … وانا مثلك تماما جدا ، فالرواية الوحيدة التي اعود دائما لقراءتها وتلاوتها بصوت عال من بين كل رواياتي هي الحوات والقصر استمتع بها وكاني اقرأ نصا مقدسا .

 

*اريد ان اقول ان الحوات في الرواية وصل الى القصر اخيرا فماذا عن الطاهر وطار هل وصل القصر ؟

ـ الطاهر وطار وصل وهو داخل وخارج القصر الطاهر وطار يظل يعبر حتى اذا ما قطعوا لسانه او يديه لان له قلبا يحب وقلبا ينبض فكل الناس حتى خصومي اعتبرهم إخوتي فإن ما مات شرطي فهو اخي وابني واذا ما مات شاب يحمل السلاح ومعارض فهو ايضا ابني واخي وهذا هو الحوات ، انه الحب وانا في سبيل هذا الحب مازلت اعمل لمدة عشر ساعات يوميا مجانا من اجل الثقافة ومن اجل الحب ، انا لا اتخلى عن واجبي هذا ولا أعرب الى شوارع باريس ولا اغلق الباب على نفسي ودائما اقول لمن يحذرني انه اذا ما قتلني الارهابيون أو الاجهزة فكلهم اخوتي وانا حينئذ استحق القتل.

 

*اسوق لك الآن استغرابي من رايك بمحمد شكري حيث قلت عندما سئلت عنه انك لا تعرف هذا الاسم وكانك تذكر حتى وجوده رغم انه مكرس بشكل او باخر بغض النظر عن اتفاقنا او اختلافنا على مستوى ما ينتج ؟

 

ـ لا اذكر انني قلت هذا الكلام

 

*بل قلته في لقاء لك مع جريدة الوفد المصرية!

ـ محمد شكري يمثل ظاهرة الادب غير الادب ففي الرواية الوحيدة التي قرأتها له وهي الخبز الحافي : شهادات يمكن صياغتها بمختلف الاساليب ولكنها خالية من النص الادبي او الانشاء او الاسلوب او الزخم الثقافي وانا لا ادري كيف صنعت وسائل الاعلام هذه الهالة حولها .

وهذا الرأي اقوله ايضا في أدب يوسف القعيد وقد قلت له بالفعل ذات يوم انك وضعت مذكرة لكتابة رواياتك ولم تكتبها بعد ، لقد كتبت مجرد رؤوس اقلام ولم تتفرغ لكتابة النصوص والصور تحليل الشخصيات ولم تصنع أي دراما ولكنه زعل .

 

*وهل ينطبق ذلك على ادوار الخراط مثلا ؟

 

ـ نعم ينطبق على الخراط وعلى كثيرين آخرين، غير انهم عندما يعجزون عن الابداع يحاولون باسم الحداثة تقليد اشكال جاهزة هناك منهم من هو فارس في اللغة مثل حيدر حيدر ولذلك نجد أن نصه الروائي أكثر من لذيذ وانا ابني نظريتي على أن هناك مؤامرة ضد الابداع في إطار الحرب الايديولوجية المحاربة كل ابداع شخصي يعبر عن مكنونات النفس وقد بدأوا بالشعر حيث حزبوه عندما شجعوا الغموض فيه ثم اتجهوا نحو القصة القصيرة وهم الآن يتجهون نحو الرواية

 

*من هم ؟

 

ـ هم المؤسسة الراسمالية وهم البنتاغون وهم الاجهزة.

 

*ولكننا نرى الادباء الذين ينتمون لليسار بشكل عام هم في اغلب الاحوال من يتبنى هذه الدعوات الجديدة؟

 

ـ نعم . نعم وهذا ناتج عن قلة وعي واستلاب وهذه مشكلة النخبة المثقفة في الوطن العربي التي تحاول دائما ربط نفسها بمستوى النخبة في الغرب وهكذا تفقد كل قيمتها الذاتية .

 

*باعتبارك واحدا من فرسان التعريب في الجزائر ما هي آخر اخباره؟ 

 

ـ لقد قطعنا فيه شوطا كبيرا فيه، والأجيال … الحالية والقادمة لن تعاني من مشكلة اللغة كما عانينا نحن، ورغم ذلك فهناك الكثير من : المتفرنسين المتواجدين في كثير من الصحف وبمؤسسات القطاع العام والشركات ، وارى انهم سذج ومغفلون لانهم لم يتيحوا لانفسهم فرصة تعلم لغسة وطنهم ليكونوا على الاقل مزدوجي اللغة.

 

*عن الجاحظية وهي الجمعية التي ساهمت في انشائها ورئاستها منذ سنوات؟

ـفكرة الجمعية جاءت كرد فعل على التطرف وعلى التعصب وشعارنا هو لا اكراه في الرأي وقد عملنا في ظروف صعبة جدا في البداية ولكننا الآن في وضع احسن وقد حافظنا على استقلاليتنا ، حتى أن المتفرنسين يصفوننا باننا يمينيون غلاة ولا يقولون : الجاحظية، وانما الجاهدية، نسبة الى الجهاد المقدس. اما بعض المعربين فإنهم لا يرتاحون إلى شعار لا اكراه في الرأي، ونحن نرفض التعاطي بالسياسة داخل الجاحظية . وهذا وضع جديد بالنسبة للمثقف باللغة العربية بالجزائر.

 

 

 

(المصدر: القبس / الاثنين 25 أبريل 1994- العدد ٧٤٩٠)

 

عن Saadiah

شاعرة وكاتبة ومستشارة ثقافية وإعلامية.تواضعت أحلامي كثيرا إلا واحدا: أصلي الفجر في الأقصى بعد تحريره.