الرئيسية / مقالات / سحر الشيكولاته ورؤية مالك بن الريب نموذجا

سحر الشيكولاته ورؤية مالك بن الريب نموذجا

شعرية السينما وسينمائية الشعر.. سحر متخيل في واقع التذوق الأدبي

سعدية مفرح

رغم وجود نظريات كثيرة عن مفهوم التذوق الأدبي وتعريفه كمصطلح راج في معاجم الأدب والنقد في العصر الحديث، الا أنه يبقى معنى فضفاضا ويستطيع كل متعاط للأدب أن يصنع رؤيته الذاتية الخالصة عنه وحوله، وبالتالي لا يمكن لأي نظرية أن تحيط بذلك المفهوم إلا باعتبارها وجهة نظر خاصة بصاحبها وحده حتى وإن آمن بها كثيرون غيره تبعا له. ومن وجهة نظري فالتذوق الأدبي هو النظر للنص الأدبي بعيون يمكنها أن تقارنه بنصوص  وعناصر أدبية وفنية أخرى في سياق المفهوم الإبداعي الواسع. ولطالما قرأت وفقا لذلك الكثير من القصائد والروايات في إطار نقدي يشمل السينما والفن التشكيلي والمسرح أيضا. ومن تلك النصوص التي أستوقفتني في محاول تذوقها أدبيا على ضوء وهاج من فن السينما تحديدا على سبيل المثال  نص مرثية مالك بن الريب  لنفسه باعتبارها فريدة من نوعها في ديوان الشعر العربي، وبالتالي يمكن تذوقها أدبيا من خلال عناصر إبداعية أخرى وجدت أن أقربها العنصر السينمائي.  ذلك أن بين سحر الشعر وسحر السينما الكثير من فيوض الدهشة والجمال والاسى والفرح أيضا، وبينهما همزة وصل لا بد أن يلاحظها كل عشاق القصيدة والفيلم، ورغم أن السينما تعتبر فنا مستحدثا قياسا الى تاريخ الشعر في الوجدان البشري بشكل عام، الا ان السحر الكامن وراء الشاشة الفضية سرعان ما يصنع لها تاريخا موازيا للفن الكتابي الاقدم، ويجعل منهما صنوين يتشاركان في مجد الصورة ووألوان الكلمات، وذهول الاصوات، والكثير من الخيال الذي يعتبر الزاد الاول لكل من الشاعر والسينمائي.

واذا كان الشعر فنا فرديا بامتياز، فإن السينما فن جمعي، وبين الفرد والجماعة وما يمكن ان يقدما كل على حده.

في ذاكرتي السينمائية الكثير من القصائد، وفي ذاكرتي الشعرية الكثير من الافلام، ولست ابالغ ان قلت أنني في كثير من الاحيان أعيش الحالتين السينمائية والشعرية دون تمييز حاد وواضح ما بين القصيدة والفيلم في سياق تذوقي الأدبي والفني لهما.

حدث هذا كثيرا، ومن بين كل ما حدث سأستل من الذاكرة فيلما تابعته قصيدة مكتملة على الشاشة، وكتبت عنه أكثر من مرة على هذا الأساس وحده، وفي مقابله سأستل قصيدة في كل مرة كنت أقرأها فيها كانت تتراءى لي مشاهدها السينمائية، المنبعثة من عصر موغل في قدمه.

أما الفيلم فهو فيلم “شيكولاته” والذي كان قصيدة مكتملة في رؤيتها الشعرية، وأما القصيدة فهي مرثية الشاعر العربي القديم مالك بن الريب لنفسه، في لحظة متخيلة لا تكون بذلك الاكتمال الرؤيوي الا عبر الشاشة الفضية.

لقد كتبت عن “شيكولاته” وعن الانتصار بسحرها فيلما وقصيدة، ذلك أنني لم أفهم مغزى اقتراح أحد الاصدقاء بأن بضرورة مشاهدتي لفيلم “شوكولاته”،  ولم أرجعه الا لعشقي الشديد للسينما ومعرفة ذلك الصديق بذلك العشق العريق، إلا أن قصة الفيلم وكيفية تحققها على الشاشة، قدمت لي أكثر من اقتراح جميل لحياة جميلة ولذيذة مثل الشوكولاته.

وقصة الفيلم الذي أنتج عام 2001 بتوقيع المخرج لاسي هولستروم، بسيطة وتكاد تكون سطحية وتقليدية  لولا سحر ما، سحر حقيقي، سحر خفي يأخذك إلى مجاهل السينما عبر طريق مدهونة بطعم الشوكولاته اللذيذة. فالقصة تعود بنا إلى خمسينيات القرن الماضي حيث نجد سيدة تأتي بصحبة ابنتها الصغيرة للاقامة في قرية فرنسية محافظة وهادئة يسكنها عدد محدود من السكان المحافظين على قيمهم الاخلاقية الكلاسيكية بعيدا عن رياح التغيير التي تعصف في المدينة.

وما أن تشرع هذه السيدة التي تقوم بدورها الفنانة الباهرة الفتنة جولي بينوش في إفتتاح محل صغير وأنيق تصنع فيه الشوكولاته وتبيعها لعشاقها (عشاق الشيكولاته)  الذين تزايدوا ما أن تذوقوا أول قطعة منها، حتى انكشف سر صغير سرعان ما تبدد بين أروقة وشوارع تلك القرية الصغيرة المحدودة السكان، فقد كانت ابنة بائعة الشوكولاته، التي اكتسبت محبة كل من تعامل معها وتذوق قطعة من الشيكولاته التي تصنعها، طفلة غير شرعية، أي أن صانعة الشيكولاته ها كانت قد أنجبت ابنتها خارج مؤسسة الزوجية.

ولأن محافظ القرية الصغيرة هو حارس الاخلاق والقيم العائلية فيها فقد قرر أن ينظف مجتمعه القروي النظيف من ذلك الدنس الذي لوثه بمجيء هذه السيدة ذات السحر اللذيذ. وهكذا بدأت فصول معركة غير متكافئة بين الطرفين استعمل فيها الرجل كل سلطاته الرسمية المستمدة من منصبه،والمعنوية المستمدة من اتكائه على الموروث الاخلاقي لهذه القرية الخمسينية، واستعملت فيها المرأة كل اسلحتها المستمدة مما تملكه في ذاتها من قوة شخصية وهدوء باهر، وذكاء مثقف، وقدرة عفوية على التسامح وتجاوز الخطأ دون تبرير للخطيئة، وطيبة بادية، وألهم من كل هذا تلك الشوكلاته التي يبدو أن أحدا لم يتذوق ما هو ألذ منها، والتي نجح المخرج في تصويرها لمشاهدي فيلمه الجميل وكأنها رمز لقيم جمالية معاصرة تغلف الحياة بذلك السحر الذي يمنحها ما يجعلها أكثر احتمالا بالنسبة لنا حتى في أحلك لحظاتنا فيها.

ولأن تلك المرأة كانت قد تخلصت من كل ما كان يعكر روحها، وأودى بها لمهالك الردى الحديث حتى قبل مجيئها لتلك القرية، فقد نجحت في إدارة معركتها مع المحافظ وزمرته بجوهر الروح الطيب، والذي تنامى عبر علاقة حب جديدة.

انتصرت صانعة الشيكولاته أخيرا على خصمها المفتعل والذي لم يجد بدا في النهاية من تذوق قطعة من الشيكولاته التي تذوب في الفم وتنتشي بها الذائقة سحرا لا يقاوم!

والآن وأنا انظر لتلك الكتابة، أتصورها قراءة في قصيدة شعرية مكتوبة بوزن وقافية وموسيقى لا يمكن أن تخفى، تتحرك فيها الشخوص كما تتحرك الكلمات، في تساوق لا نجده الا في الشعر، فهل هذه هي شعرية السينما، التي يقولون عنها؟ ربما، وربما نجدها في مقابلها العكسي ايضا، أعني في قصيدة ما تحقق في شكلها النهائي ماهية الفيلم صناعة وأثرا ومتعة أيضا، ولعل في القصيدة التي اقترح أن يقرأها من يود قراءتها وكأنه يشاهد فيلما على الشاشة الكبيرة، فهي قصيدة فريدة من نوعها لشاعر غير مشهور كثيرا، ولكنه اشتهر بهذه اللقصيدة بالذات، انها قصيدة الشاعر القديم مالك بن الريب التي يرثي فيها نفسه. نعم.. يرثي فيها نفسه قبل أن يموت باعتبار انه ميت فعلا، وليس موضوعها الغريب جدا في ديوان الشعر العربي كله هو ما يجعلنا نقترحها اقتراحا شعريا في باب السينما، بل اسلوب الشاعر في كتابتها، حيث بدا وكأنه يكتب سيناريو موته كما يتخيله بمشاهد متتابعة ولهذا يمكن يمكن النظر اليها باعتبارها فيلما يحقق شعرية السينما أيضا، فهي رؤية فلسفية متخيلة وأن كانت من خلال واقع متكرر وهو واقع الموت بصفته نتيجة حتمية للكون البشري بشكل عام.

فهنا نحن بصدد شاعر في رحلة معتادة مع اثنين من أصدقائه عندما يدهمه هاجس الموت  ولا ندري إن كان المرض هو ما خلق الهاجس لذلك الشاعر أم هي التساؤلات التي لا تنفك تعصف بالتفكير البشري في وحدته غالبا. لكن الشاعر بدلا من التفكير بالموت باعتباره تهديدا يجد نفسه في مشاهده المتتابعة ميتا حقيقيا، يكتب السناريو عبر أبيات القصيدة الطويلة بهدوء وروية،  وكأنه كاتب سيناريو ومخرج في نفس الوقت لفيلم كئيب ولكنه مشوق جدا.

والقصيدة طويلة جدا، يبدأها الشاعر بما آل اليه حاله قبل أن يدهمه الموت فجأة وهو بين صاحبيه، اللذان يحتاران في كيفية دفنه وإنزاله القبر في تلك الصحراء التي كان الثلاثة يقطعونها على ظهور خيلهم، ورغم حرص الشاعر/ السيناريست /المخرج على رسم التفاصيل الدقيقة لتلك المهمة الصعبة والمربكة لرفيقيه إلا أنه لا ينسى أن يعود في لقطات استرجاعية (بلاي باك) إلى الوراء فيصف مشاهد من حياته السابقة للموت في الحرب، حيث شجاعته المشهودة، وبين أهله حيث مهارته في ممارسة الحياة، كل ذلك في لقطات سريعة ومتتابعة للكاميرا لا ينسى أن يمر من خلالها على بعض الوجوه المؤثرة في حياته.

وفي مجمل المقارنة بين الفيلم والقصيدة، يتبدى لنا الكثير من ذلك  السحر المتخيل شعرية السينما وسينمائية الشعركنموذج تطبيقي على معنى من معاني التذوق الأدبي كما أفهمه وأنحاز إليه.

 

( نشرت في مجلة الدوحة الثقافية)

عن Saadiah

شاعرة وكاتبة ومستشارة ثقافية وإعلامية.تواضعت أحلامي كثيرا إلا واحدا: أصلي الفجر في الأقصى بعد تحريره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *